ترددتُ كثيراً قبل الإقدام على كتابة هذه الكلمة. إنما شجعني على ذلك الزميل محمد البشاري الذي كتب عن ذلك في جريدة «الاتحاد» الزاهرة أول الأسبوع. وبالطبع سُررتُ بالجائزة لأنها تنمُّ عن تقديرٍ كبير، فالذين صوَّتوا لي هم من كبار المثقفين المصريين، والذي رشحني لها رئيس جامعة القاهرة ومجلسها. وقد سررتُ أولاً وآخِراً لأنها من مصر، والاعتراف المصري عزيزٌ على قلبي وقلب كل عربي.
لكن هناك اعتباراتٌ أُخرى ذات أهمية أيضاً بالنسبة لكاتبٍ مثلي. فأنا أكتب منذ أربعين عاماً، وقد تطورت كتاباتي بحيث صرتُ أعتبر نفسي صاحب مشروعٍ، وهو مشروعٌ خلافي أو متنازَع عليه. وهو يتناول خمسة موضوعاتٍ كبرى أو أساسية، أولها: مسألة العلائق بين الدين والدولة في تاريخنا الفكري والديني والثقافي. وثانيها: مسألة التاريخ الثقافي العربي والإسلامي، والعلائق بين الموروث فيه والحديث والمعاصر. وثالثها: مسألة الإصلاح الديني. ورابعها: مسألة الإسلام السياسي وتأثيراته السلبية على الدين وعلى الدولة.
وخامسها مسألة الدولة الوطنية العربية وضرورات نجاح تجربتها في الزمن الحاضر الصعب المليء بالتحديات الداخلية والخارجية. وفي العلائق بين الدين والدولة، رأيتُ في أعمالٍ كثيرةٍ عارضة أو ناقدة أو مُساجلة أنّ تاريخنا السياسي لم يعرف حقاً الدولة الدينية. وبالطبع هناك فريقان كبيران في القديم والحديث لا يقبلان أطروحة الدولة المدنية. هناك مَن يقول: بل إنّ الدولة العربية هي دولةٌ دينية. وهناك من يقول إنها ما كانت مدنية، بل كانت دائماً في القديم استبدادية في خليطٍ من الاعتبارات السلطوية ذات الغطاء الديني. وقد ذهبتُ دائماً إلى أُطروحة الماوردي الذي يقرر أنّ النظام السياسي يسوس الدنيا ويحرس الدين. فالعلاقة كانت على انسجامٍ تاريخي مشهود، ولم تضطرب إلا في الأزمنة المعاصرة.
وفي مسألة التاريخ الفكري والثقافي لأمتنا في الأزمنة الكلاسيكية، كنت وما أزال أرى أنّ الموروث الذي لا يزال حاضراً فينا ليست هناك قطيعة معه ولا ينبغي أن تكون، بل إنه معروض للفهم والتجاوز دونما تعسفٍ أو ابتسار، مثلما حدث ويحدث لدى سائر الأُمم. وفي قضايا الإصلاح الديني رأيتُ دائماً أنه ضروري بسبب تحديات الحداثة، وتحديات فهم التقليد واستيعابه وتجاوُزه. وهي أمورٌ تحدث على الأرض وينكرها كثيرون وينبغي أن يكون هناك وعيٌ فائقٌ بها لأنه من ضمن تحديات الحداثة ضرورة تغيير «رؤية العالم» في مجالنا، وضرورات الخروج من الانشقاقات التي تتوالى.
ومع أنّ المسائل التي ذكرتُها ذات أهميةٍ كبيرة وتستهلك أعماراً، فإنني كتبتُ كثيراً في مكافحة الإسلام السياسي، لأنه يغيّر من طبيعة الدين ويفسده، ويضرُّ أيضاً بشرعية الدولة ومدنيتها ومستقبلها.
وفي الأصل كنتُ أرى أنّ الإسلام السياسي مضرٌّ جداً بالمجتمعات وثقافتها بدينها، وعيشها به ومعه. إنما عندما لاحظتُ نزوعاً معيَّناً لتسييس الإسلام، من أجل استغلاله، أقبلتُ على الكتابة في الدولة الوطنية وتجاربها عندنا وفي العالم، وإمكانيات تحررها من إسار الراديكاليات الدينية والانقسامية، وتصرفات الدول الإقليمية والكبرى ذات الأطماع والمطامح تجاه الدولة الوطنية العربية. نحن محتاجون إلى استنهاض ثقافة الدولة الوطنية، وبحاجة إلى التربية عليها من أجل الحاضر والمستقبل.
وبالطبع أيضاً، ما اقتصرت اهتماماتي وكتاباتي وترجماتي على هذه الموضوعات، لكنها الأولويات التي عملتُ عليها بتركيز على مدى العقود الماضية.
الخلاف شديدٌ بين المفكرين وبين السياسيين في هذه الموضوعات جميعاً. لكن عندما رأيت أنّ كبار المثقفين المصريين قرروا إعطائي الجائزة، أدركتُ أنّ النضال الطويل قوبل بقبول مشجع على الاستمرار.
ويبقى المثلث الذي أعود إليه دائماً: استعادة السكينة في الدين، وتجديد تجربة الدولة الوطنية، والانفتاح على علاقاتٍ طبيعية مع العالم.
*أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة اللبنانية


