كثيرة هي أخطار الحرب في غزة، وقد أصبحت آثارها تتجاوز القطاع الذي تعصف به، والاقتصاد الإسرائيلي الذي تُنهكه، والاقتصادات الضعيفة في بعض الدول العربية. تداعياتها الإقليمية لا تقتصر على الاقتصاد والأمن. صرف الأنظار عن الأوضاع المتدهورة في الدول المأزومة في العالم خطرٌ آخر. انشغال العالم بحرب غزة، فيما تتواصلُ حرب أوكرانيا، قد يُكُرس الانصراف عن هذه الأزمات، وبينها ست في العالم العربي، سواء الدول المأزومة منذ عقد ونيف مثل ليبيا وسوريا واليمن، أو قبل ذلك مثل العراق، أو بعده مثل لبنان والسودان. يُخشى أن يصل الأكثر تدهوراً بين هذه الدول إلى حافة هاوية. شبح يوغوسلافيا التي تفككت يُطارد بعضها، وقد يدفعه إلى هذه الحافة.
آلام شعوب هذه الدول مستمرة، وإن تفاوتت حدتها. فهي تفتقرُ إلى نخبٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ تتسم بالمسؤولية والرشد، وتستطيع أن تعلو على صراعاتها، وتحاول العملَ جدياً لوضع حد لصراعاتٍ تقسم مجتمعاتِها وتُهُدد مستقبلَها. فالانقسامات المُجتمعية هي أصل البلاء ومصدره. عندما يصل الانقسام إلى مستوى معين يُصاب المجتمع باختلالٍ في التوازن. يشعر المتابع لأحوال مجتمعٍ غارقٍ في انقسامه كما لو أنه وقع في حقلٍ مغناطيسي أحدث اختلالاً في بنيته الاجتماعية. ويزداد هذا الاختلال كلّما طال أمدُ العجز عن العثور على نقطة توازن بين هويات متصارعة.
ليس معقولاً أن تستمر الصراعات على الهويات في هذا العصر. خطرُ هذه الصراعات شديد، لأنها تتجذر في أعماق المجتمعات، فلا تكفي تسويات سياسية لإنهائها. تبقى أيةُ تسويةٍ مؤقتةً ما لم تُعالج جذورَ الصراع في المجتمع. وهذا أحد دروس التاريخ التي كثيراً ما تُغفل. يفيدنا تاريخ بلدان عدة في العالم أنها لم تقف على قدميها إلا عبر معالجة جذور صراعاتها. كما يدلنا على أن التسوية السياسية التي تَبقى فوقيةً، ولا ترتبط بها أو تتبعها جهودٌ لتحقيق مصالحات تاريخية بين مكونات المجتمع، لا تُعيد العافية التي فُقدت في الدول المُنقسمةِ مجتمعاتُها.
وكم من تسويات سياسية فوقية طال أمدُها، لكنها انهارت أمام أول أزمة كبيرة. وكثيراً ما توالت أجيالٌ في ظل هذا النوع من التسويات، لكن من دون تقدم في مستوى الوعي بأن الهويات لا ينبغي أن تكون متصارعةً، لأنها يجب أن تكون متكاملة. فلكل شخص في أي مجتمع انتماءات متعددة، بعضها تقليدي وبعضها حديث. لكن المفترض أن يجمعها انتماء وطني يَجبّها من دون أن يلغيها. إنه الانتماء إلى دولة وطنية تترنح الآن في بعض البلدان المُهدد بعضها بالوصول إلى حافة الهاوية، إن طالت الحرب في غزة، فيما تستمر حرب أوكرانيا بلا أفقٍ واضح. وفي هذه الحالة سيكون على الدول العربية الناجحة، وهي قليلة، أن تتحمل كالمُعتاد المزيدَ من الأعباء.
ولهذا لا ينبغي أن تشغل حربان مُحتَدِمتان العالمَ عن السعي إلى تجنب وصول التدهور المتزايد في بعض دوله إلى حافة الهاوية.

*مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية