رحل الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم في 4 يناير 2006. على المستوى الشخصي منذ وفاته، رحمه الله، لم أقابل إنساناً في إمارة دبي أو في الدولة، إلا وذكر سيرته الطيبة سلسبيلاً على الألسن. حدثنا مسؤول في أحد الأندية الرياضية بالدولة عن زيارة له للشيخ مكتوم، لعرض احتياجات النادي عليه. يقول: «استقبلنا في أحسن ترحاب، ثم سلمناه رسالة فيها حاجة النادي إلى باص من الحجم الصغير لنقل الأشبال من وإلى منازلهم، بعد الانتهاء من فترة اللعب والتدريب». قبل سموه ما قدمنا بين يديه بقبول حسن، وأمر المسؤول عن متابعة الموضوع بالتواصل معنا حتى إتمام عملية الشراء ومن ثم التسليم والاستلام.
بعد انتهاء الزيارة، قابلنا المسؤول على انفراد، فقال لنا: الشيخ مكتوم يطلب منكم شراء كل مستلزمات النادي وليس الباص فحسب، قلنا له: هذا كثير، فقال: هذا ليس بشيء يُذكر عند كرم الشيخ مكتوم. يكمل المسؤول تفاصيل هذا الموقف النبيل: اشترينا كل احتياجات النادي بالكامل، فجمعنا الفواتير التي أصبحت كثيرة للغاية، وقد غلبنا الخجل من مواجهة المسؤول بهذه الفواتير الضخمة في عددها وقيمتها. سلمنا المسؤول الفواتير، ونحن نستسمح منه، فقال: «بس هذا، أقول لكم هذا الشيخ مكتوم يقول: ما تردك إلا نفسك».
الكرم لدى الشيخ مكتوم، رحمه الله، فطرة. زار مجلس الشيخ مكتوم ضيفان من إحدى الإمارات لأول مرة، وقد غلب عليهما الصمت بين يديه. ولكن الشيخ مكتوم، الخبير بطباع زواره، كان يعرف كيف يقربهم إليه، فبادرهما: آمروا. يقول أحدهما احترنا في الكلام، فتقدم أشجعنا: «ما يأمر عليك عدو ولا ظالم، طال عمرك حاجتنا إلى سيارة». رد سموه فالكم طيب، «شو في خاطركم من السيارات؟». قال الأول: «مرسيدس بنز» طال عمرك، فتشجع الثاني وقال: «نيسان صالون» طال عمرك. قال سموه: فالكم ما يخيب. خرجا من مجلس سموه وبيد كل واحد منهما مفتاح السيارة التي اختارها. عاتب الأول الثاني قائلاً: «ليش ما طلبت سيارة كتلك التي طلبتها؟! الشيخ مكتوم كرمه ما تُوقفه حدود». قال صاحبه: «تبا الصدق، اتلخبطت ما عرفت اختار فقلت أي شيء يا على لساني».
زاره أحد أعيان الإمارة مع ولده، في يوم كان سموه في شدة الانشغال، كلما حدثه عن حاجة لولده إلا ودخل على خط الحديث من يقاطع ما دار بينهما. عاود الرجل الكلام، فطلب منه الشيخ مكتوم إنْ كان في جيبه قلم، قال: نعم طويل العمر. ثم ناوله، فدخل من يقاطعهما، فوضع القلم جانباً، فانتبه سموه إليه من جديد، ثم وضع القلم بين إصبعه، فقال له: عندك ورقة؟ قال نعم طويل العمر. يقول: صادف أني أحمل في جيبي ورقة. ناولت سموه الورقة، دخل عليه شخص، فأعاد القلم والورقة على الطاولة أمامه. يقول: هنا أدركت بأن اليوم سموه صعب المنال، قررت حينه مغادرة المجلس، لفرصة أفضل. وبعد أن هدأت الأمور في المجلس، التفت سموه فلم يجدني عنده، فسأل عني كل الحرس فقالوا: رأيناه يغادر المجلس. أمر سموه جميع الحراس بالبحث عنه، فوجدوه يركب سيارته، لحقوا به وقالوا: الشيخ مكتوم يبحث عليك، قولوا لسموه: سأعود إليه مرة أخرى. يقول أحد حراسه: عندما عدنا إليه لم نجد الشيخ مكتوم حزيناً ومتكدراً مثلما رأيناه اليوم، قالوا له: وجدناه لكن أخبرنا بأنه سيعود في وقت أنسب. تركنا الشيخ مكتوم والحزن لم يغادر وجهه الذي لم تفارقه الابتسامة إلا في هذا اليوم، أكيد لم تكن الحاجة مالاً لأن الزائر كما نعرفه جيداً لا ينقصه مال، وكان، رحمه الله، لا يقتصر كرمه على المال فحسب، فهناك أمور أهم وأغلى من المال لم يكن يبخل بها.
*كاتب إماراتي


