لاشك في أن إطلاق شعار«المسار والمصير»هو ارتباط تاريخي بين لبنان وسوريا، بحكم الموقع الجغرافي الطبيعي، وإندماج الشعبين في «نسيج واحد» وعادات متقاربة خصوصاً مع استمرار عمليات «التزاوج» بين اللبنانيين والسوريين، حتى برز الشعار المعروف «لبنان وسوريا..شعب واحد في دولتين»، مع الاعتراف بواقعية المصالح المشتركة، والأخذ بالاعتبار أهمية الاختلاف في الأهداف التي تخضع لتطورات المنطقة «الجيوسياسية» والأمنية، علماً بأنها تكاد اليوم أن تكون متقاربة أكثر من أي يوم مضى، مع بعض الٍاستثناءات التي يسعى المسؤولون في البلدين لمعالجتها.
وبعيداً عن المخاوف من التطورات الأمنية المرتقبة، نتيجة وجود السلاح لدى بعض الفصائل في كلا البلدين، وسعي حكومتيهما لضبطه، يدعو البلدان المستثمرين المغتربين والعرب والأجانب، إلى الاستثمار في إعادة الإعمار التي تقدر تكلفتها في سوريا بنحو400 مليار دولار، وفي لبنان 14مليار دولار، وفق تقرير البنك الدولي، وكذلك دعوة الدول والجهات المانحة لتقديم المساعدات والمساهمة في تمويل «الورشة الاستثمارية».
ولكن في هذا السياق، يلاحظ أن التطورات في سوريا تسير بشكل متسارع، حيث بدأت تتدفق المساعدات والاستثمارات لتمويل مشاريع عدة وفي مجالات مختلفة، بما يضع البلد على طريق نهضة سريعة، لا تنفصل عن المسار السياسي الذي اختاره الرئيس أحمد الشرع، بينما تغيب هذه الاستثمارات والمساعدات عن لبنان الذي يسعى بجهود حثيثة لتحقيقها، في وقت لايزال يغرق بتفاصيل أزمات داخلية وخارجية، تخضع لشروط أمنية وسياسية، تعرقل تحقيق أهداف رئيس الجمهورية جوزيف عون الذي حددها في خطاب القسم.
من هنا تختلف المقاربة اللبنانية عن المقاربة السورية، ففي سوريا رجل واحد، وقرار واحد. أما في لبنان فإن التوازنات السياسية، وتعدد مراكز القرار وتصارعها، تحول دون وضع تصور واضح والعمل على إنجازه، لاسيما في ظل تضارب كبير في المصالح السياسية والاقتصادية بين القوى المختلفة. وقد بدأ هذا التضارب ينعكس على أكثر من صعيد (سياسياً واقتصادياً ومعيشياً)، لتبدو وكأن هناك محاولات كثيرة لتطويق الحكومة وتعطيل مسار الإصلاح، في ظل الانقسام حول ملف إصلاح المصارف وربطه بقانون الفجوة المالية الذي لم ينجزه مصرف لبنان حتى الآن، نتيجة الخلاف حول توزيع مسؤولية هدر الودائع والخسائر البالغة أكثر من 73 مليار دولار بين الدولة و«المركزي» والمصارف التجارية.
لقد أعلن وزير المالية السوري محمد برنية الاثنين الماضي، استئناف العمل في سوق دمشق للأوراق المالية، بعد توقف استمر نحو6 أشهر، وكشف عن استثمارات سعودية ضخمة في طريقها إلى سوريا، ولدعم هذا التوجه سيعقد ملتقى استثماري سوري- سعودي يومي 18و19يونيو الجاري في دمشق، لبحث الفرص الاستثمارية الواعدة. ويقول رئيس مجلس إدارة السوق، بأنه سيكون لهذه السوق «دور في جذب الاستثمارات المحلية والدولية، وربط الاقتصاد السوري بالاقتصادات العالمية».
ومع استمرار الأزمة المصرفية في لبنان، تستعد المصارف اللبنانية التي تملك حصص في مصارف سورية لتعزيز نشاطها والتفاعل مع تطور العمل المصرفي في سوريا، ويبلغ عددها سبعة مصارف، من كبرى المصارف اللبنانية. وقد بدأت نشاطها قبل اندلاع الحرب عام2011، حيث كان في سوريا 22 مشروعاً استثمارياً لبنانياً، ونحو 6 مشاريع باستثمارات لبنانية عربية مشتركة، لكن قانون قيصر الأميركي كان عائقاً لعملها. وبما أن هذه المصارف تخضع لرقابة المصرف المركزي السوري، وبالتالي لا توجد أمامها عوائق، مرتبطة بالأزمة المصرفية في لبنان.
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية.