برينو ماسييس فيلسوف وإعلامي ووزير سابق برتغالي، تحدَّث في أعماله الأخيرة عن ما سماه «الثورة الجيوسياسية الرابعة» التي تدور بقوة في وقتنا الراهن حول الأقاليم الرقمية، مِن نُظم إلكترونية وأمن سيبرياني وذكاء اصطناعي ومعادن نادرة.
في كتاب سابق بعنوان «فجر الآورو آسيا»، يبين ماسييس أن العالَم عاش قروناً عديدةً على القسمة الجيبولوتيكية بين أوروبا وآسيا التي هي من تشكيل المتخيَّل الغربي، في حين أن ما نشهده اليوم هو بروز مجال جديد هو الأورو آسيا يتمحور حول قوى صاعدة، في مقدمتها الصين وروسيا. بيد أن الصراع الاستراتيجي المستقبلي لم يعد يدور حول رهانات التنافس الإقليمي والنفوذ الخارجي، بل حول الفضاء الافتراضي الذي يكرس بعداً وجودياً يختلف عن الواقع المادي أو الفيزيائي التقليدي. فالنظام الدولي الجديد لا يتشكل على أساس معادلة القوة والهيمنة، بل وفق معطيات الثورة التكنولوجية الحالية القائمة على الذكاء الاصطناعي والمعلوماتية الكوانتية ومصادر الطاقة البديلة. ومن ثم فالريادة ستكون لمن يتحكم في السلاسل البرمجية وبنيات التخزين السحابي والمعلومات الرقمية، وليس لمن يمتلك القواعد العسكرية والأسلحة الفتاكة.
وفي كتابه «صناع العالم»، يبين ماسييس أن العالَم دخل في حقبة ما بعد حداثية، غدا فيها الرهانُ الأساسي هو التحكم في الفوضى العارمة التي مست كلَّ مناحي الحياة الاقتصادية والصحية والاجتماعية. لا يتعلق الأمر بمجرد تحولات تقنية بل بتغيرٍ أنطولوجي كامل يمس الوضع الإنساني في مقوماته الجوهرية، بما يتمثل في معايير جديدة للواقع والحقيقة ورؤية العالم.وفي مقابل الحقيقة الموضوعية أصبح الواقع على شكل حالة إثارة مستمرة stimulation تبرز عبر شبكات التواصل الاجتماعي، حيث يعيش الناسُ في عوالم وهمية، يتناقلون فيها القصصَ والمشاعر والأحاسيس الفورية بدل الأفكار والتصورات. وهكذا يغدو الواقع الفعلي ثانوياً، بل هو أقرب لمفهوم «النسخة» الذي تحدث عنه الفيلسوف الفرنسي جان بودريار، ويعني به الصورةَ أو الظلَّ الذي ليس له أصل.
أما السياسة فلم تعد عملاً عمومياً يتعلق بتدبير شؤون المجتمعات وفق معايير العدل والنظام، بل هي مسرح استعراضي واسع، الأساسُ فيه ليس القادة أو الزعماء، بل مَن يتحكم في المشاعر الجماعية والعروض المصورة والسرديات المتداولة بما لها من تأثير على خيارات الناخبين وميولهم المصطنعة.
وهكذا لم تعد الحقيقة تعني المعاني الثابتة للأشياء والوقائع، بل أصبحت ذات طبيعة سردية خطابية وشعورية، لا يهم فيها الواقع الموضوعي، وإنما الأثر الإقناعي الناتج عن الإثارة الاستعراضية والتصرف التقني.
ومن هنا يغدو الصراع الجيوسياسي العالمي دائراً حول استراتيجيات التحكم في الصورة والسرديات المحكية والتمثلات الجماعية، بدلاً من الصدام حول الموارد الاقتصادية والمواقع الإقليمية الحيوية.
ما يتعين التنبيه إليه هو أن هذه المعادلة التقنية ولّدت صداماً ثقافياً جديداً، لم يعد يقوم على العامل الأيديولوجي كما كان خلال الحرب الباردة، ولا الهويات الثقافية كما توقع هنتغتون، وإنما على المتخيل الرمزي، بما يفسر التباينَ بين المنطق الصيني الذي يرى العالم في شكل سيلان متناسق والمنطق الغربي الذي يختزل الواقع في الموضوع الذي يخضع للتحكم والسيطرة.
وعلى غرار كتَّاب كثيرين في الوقت الحالي، يذهب ماسييس إلى أن هذه التحولات تعني نهايةَ الهيمنة الغربية على العالَم، والتي قامت تاريخياً على ثلاث أدوات أساسية هي: التصور السيادي للسياسة من حيث هي ممارسة مستقلة تستوعب كلَّ دوائر النشاط العمومي، اقتصاد السوق الحر في موجهاته التبادلية الكونية التي تضمن بناءَ منظومة عالمية مندمجة يتحكم فيها المركز الغربي الذي هو قلب الحياة الصناعية والتقنية، إبستمولوجيا الحقيقة التجريبية التي تفصل جذرياً بين الواقع الموضوعي والتمثلات الذاتية التي لا مرجعَ لها في الطبيعة.
لقد انهارت هذه الأدوات الثلاث، وبانهيارها انتهى عهدُ التحكم الغربي في العالَم، والذي أصبح شديدَ التنوع، ولم يعد له مركز واحد أو قطب ناظم.
صحيح أن الولايات المتحدة الأميركية لا تزال القوةَ الصناعية والتقنية الأولى وإن أصبحت تتعرض لمنافسة شديدة ومتزايدة من جانب الصين، كما أن روابطها العضوية مع باقي مكونات الغرب، وبصفة خاصة أوروبا، تراجعت وتلاشت.. إلا أن الأساس هو أن مِن طبيعة الثورة التقنية الجديدة تقويض كل الهياكل المركزية السابقة وإعادة بناء العالم وفق خيوط تشكل جديدة لا يمكن لأي قوة، ولو كانت عظمى، أن تتحكم فيها. وذلك هو التحول النوعي الذي لا زلنا في محطته التمهيدية الأولى.
*أكاديمي موريتاني


