يشهد العالم تحولاتٍ متسارعة في موازين القوى الدولية، ما يدفع العديد من الدول، لاسيما دول الجنوب العالمي، إلى البحث عن صيغ جديدة للتعاون السياسي والاقتصادي والمعرفي، تُمكّنها من تعزيز حضورها ودورها وتأثيرها في النظام العالمي. وفي هذا السياق، تبرز منظمة «بريكس» كإطار واعد يعكس طموحات هذه الدول في تحقيق شراكات عادلة، وتوازن استراتيجي في العلاقات الدولية.
في الأسبوع الماضي، وفي خطوة تعبر عن أهمية التعاون البحثي والإعلامي لمنظمة «بريكس» كأحد روافد دعم قوة هذا التكتل الواعد، تم تنظيم المنتدى الرسمي لـ«بريكس» بمدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، في إطار محاور عدة، تحت عنوان «الإعلام ومراكز الفكر». وقد استضاف هذا الحدث متخصصين من دول الجنوب العالمي، والدول المهتمة أيضاً بالانضمام لـ«بريكس»، مثل تايلاند وإندونيسيا وسيراليون ونيجيريا.
وعلى هذه الخلفية، فقد كانت مشاركة مركز تريندز في هذا الحدث فرصةً ثمينة لتأكيد الدور المحوري للمراكز البحثية في رسم ملامح عالم أكثر توازناً، انطلاقاً من أن أهمية التعاون لا تكمن فقط في حرية عبور البضائع عبر الدول، وفي مقدار التبادل التجاري فحسب، بل أيضاً في عبور المعلومات والتبادل الفكري، الذي يعزز العلاقات بين الشعوب، لاسيما أن المراكز الفكرية لم تعد تتلقى المعلومات والأفكار من مصادر النفوذ التقليدية فقط، بل أصبحت تشارك في إنتاج المعرفة، وتحمّل مسؤولية المشاركة في صياغة الرؤى المستقبلية، لذلك، انشغلتُ، بصفة شخصية، خلال مشاركتي، بمعرفة ديناميات التعاون بين دول الجنوب العالمي، من أجل تعزيز دور المركز في هذه العملية التشاركية المؤثرة.
وخلال مشاركة مركز تريندز للبحوث والاستشارات في جلسة «تعزيز الحوار بين دول بريكس من خلال مراكز الفكر»، ركزتُ على أهمية دور هذه المراكز في صياغة الدراسات التي تُبنى من خلالها سياسات تخدم منطقتنا وتطلعات شعوبنا، حيث توجد على الساحة الإعلامية الآن تحديات رقمية وتضليلية عديدة، ونجد أن من واجبنا، كمراكز بحثية أيضاً، الإسهام في كشف الحقائق، والتصدي للمعلومات المضللة والزائفة عن طريق تقديم محتوى/ خطاب علمي متزن يرتكز على الحقائق والأدلة، ويدعم الحوار البنَّاء.
يؤكد تكتل «بريكس» أن الهدف ليس المنافسة أو التفوق، ولكن دفع عجلة التعاون، ومحاولة إحلال التمثيل المتوازن بين الطرفين العالميين، شمالاً أو جنوباً. ولكن إعلان دولة، مثل الولايات المتحدة، عن ضرائب تستهدف تحديداً هذا التكتل، هو تصعيد استدعى اتخاذ بعض الدول في تكتل «بريكس»، مثل الصين وروسيا، خطاباً أكثر حدة عما كان سائداً في السنوات الأخيرة، خصوصاً عند مناقشة الوضع الحالي للنظام الدولي المبني، وفق نظرتها، بطريقة غير عادلة تجاه دول الجنوب العالمي.
ومن التوصيات المهمة، التي طُرحت خلال المنتدى، ضرورة تعزيز التنسيق بين مراكز الفكر في دول «بريكس»، عبر إنشاء منصات دائمة لتبادل الخبرات البحثية والمعرفية، وهو أمر اقترحه مركز تريندز، وعمل على إنشائه، وبناء شبكات تواصل فاعلة لدعم السياسات العامة. كذلك، تم تأكيد أهمية إعداد دراسات استباقية تستند إلى معايير علمية دقيقة، وتخدم صُنّاع القرار، إضافة إلى تطوير أدوات تحليل البيانات، وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، لرصد التحديات المستقبلية، ومواجهة حملات التضليل الإعلامي، والعمل على إنتاج محتوى معرفي يعكس أولويات دول الجنوب العالمي، وتطلعاتها التنموية والاقتصادية.
*باحث رئيسي – نائب رئيس قطاع البحوث- مركز تريندز للبحوث والاستشارات


