البطالة كلمة تثير الخوف لدى القادة السياسيين في جميع البلدان. فالأشخاص العاطلون عن العمل، الذين لا يجدون وظائف، يميلون إلى إلقاء اللوم على حكومات بلدانهم بسبب معاناتهم. وهذا يعني مشاكلَ في صناديق الاقتراع وفي شوارع المدن وحتى في الأرياف أيضاً. ولهذا السبب تُعتبر الإحصاءات الشهرية حول نمو الوظائف أو فقدانها بمثابة مقياس لحالة الاقتصاد بشكل عام. أظهرت البياناتُ الأخيرة لسوق العمل الأميركي انخفاضاً ملحوظاً في الوظائف الجديدة المُستحدثة، وارتفاعاً تدريجياً في معدلات البطالة. ووجد الرئيس دونالد ترامب هذه الأرقام مُقلقةً للغاية، لدرجة أنه أقال «إريكا ماكينتارفر»، مفوضة مكتب إحصاءات العمل، قائلاً إنها تعمدت نشر بيانات وظائف مُقلقة لأسباب سياسية.
وحتى الآن، لم يظهر أي دليل يُثبت صحة كلام ترامب بهذا الخصوص، لكن بعض قراراته تُشير إلى قلقه من احتمال تعثر الاقتصاد الأميركي. الجانب المشرق الوحيد في بيانات الوظائف هو وفرة فرص العمل في مجال الرعاية الصحية. وكما هو الحال في جميع الدول المتقدمة، تواجه الولايات المتحدة تحدياً يتمثل في شيخوخة السكان التي تفرض أعباءً متزايدةً على الموارد الوطنية.
وتُعدّ الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي أكبر بندَين في ميزانية الولايات المتحدة، حيث يمثلان معاً 48% من الميزانية، ويُصنّفان ضمن الاستحقاقات المنصوص عليها قانونياً، ما يعني أن الحكومة ملزمة بدفع المخصصات للمواطنين المؤهلين للحصول على هذه المزايا. ويتطلب تغيير هذه البرامج إقرارَ قوانينَ جديدةٍ مِن الكونجرس. ونظراً للشعبية الكبيرة لهذه البرامج، يكاد يكون من المستحيل إجراء تخفيضات كبيرة عليها. وإضافة إلى ذلك، تمثل مدفوعات خدمة الدين القومي الآن 15% من الموازنة، ويجب سدادها، بينما تُمثل ميزانية الدفاع الإنفاق الكبير الآخر الذي يُمثل 14% من الميزانية الوطنية.
وقد تعهدت إدارة ترامب بزيادة الإنفاق الدفاعي. فهل يُمكن تجنب أزمة مالية مع هذه التكاليف؟ تُعد الرعاية الصحية الأميركية الأغلى في العالم بسبب طبيعة النظام المجزأ الذي يشمل شركات التأمين الخاصة، وخطط التأمين التي يقدمها أصحاب العمل، وبرنامجين فيدراليين ضخمين، هما ميديكير وميديكيد، بالإضافة إلى ملايين الأشخاص غير المؤمَّن عليهم الذين يحصلون، رغم ذلك، على خدمات طبية أساسية في حالات الطوارئ.
ومع تقدم السكان في السن، يزداد الطلب على الرعاية الصحية، ويميل النظام الأميركي إلى الاعتماد في الغالب على العلاج بعد وقوع المرض بدلاً من الوقاية، وهو ما يرفع التكلفة. ويضاف إلى ذلك ارتفاع أسعار الأدوية، وهي الأعلى في العالم، والقدرة المحدودة للمؤسسات الطبية على التفاوض مع شركات الأدوية لخفض التكاليف. وهل ستتمكن برامج الذكاء الاصطناعي الجديدة من المساعدة في حل بعض التكاليف والعقبات في النظام؟ من المرجح أن تُحقق بعض المجالات، مثل التشخيص والمهام الإدارية، فوائدَ كبيرة. لكن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه أن يحل محل اللمسة الشخصية والتعاطف الذي يقدمه الممرضون ومقدمو الرعاية الآخرون للمرضى. سيستمر الطلب على جميع مستويات مقدمي الرعاية الصحية في النمو، مما يعني وظائف آمنة لملايين العاملين.
إن ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية مشكلة عالمية، لكنها أكثر حدةً في الولايات المتحدة. ويؤكد المدافعون عن الخدمة الصحية الوطنية الشاملة، التي تتيح لجميع المواطنين الحصولَ على الرعاية بغض النظر عن حالتهم الطبية أو مستوى دخلهم، أن أعظم دولة في العالم ينبغي أن تكون قادرةً على تحمل مثل هذه الخدمة. بينما يشير المعارضون إلى الصعوبات التي تواجهها الدول التي لديها أنظمة صحية وطنية في توفير العلاج في الوقت المناسب للعديد من الإجراءات الروتينية.
اعتاد الأميركيون الذين لديهم تأمين صحي خاص جيد أو مؤهلون للحصول على الرعاية الطبية (ميديكير) على خدمات ممتازة، ولا يضطرون لمواجهة قوائم انتظار لإجراءات مثل استبدال الركبة ومفصل الفخذ وجراحة القلب. لن تكون فكرة ترشيد هذه العلاجات مقبولة إطلاقاً لدى العديد من الناخبين. ورغم ذلك، ومع استمرار ارتفاع التكاليف وتقدم السكان في السن، فإن مواجهة مؤلمة لحدود الرعاية الصحية تبدو حتمية.
*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز «ناشونال انترست» - واشنطن


