منذ تأسيسها، أدركت دولة الإمارات العربية المتحدة أن التعليم هو حجر الأساس للتنمية الشاملة وبناء الإنسان والمجتمع، وكان هذا الإدراك من أبرز مرتكزات النهضة الوطنية. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى العديد من مقولات القائد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حيث كان يؤكد مراراً وتكراراً على أن رصيد أي أمة متقدمة هو أبناؤها المتعلمون، وأن العلم هو الطريق لنهضة الأمة ورفع شأنها، وأن التعليم هو الركيزة الأساسية التي يؤسس عليها مستقبل الشعوب.
وتولي القيادة الرشيدة لدولة الإمارات، ممثلة في صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، التعليم أهمية خاصة، وقد أكد سموه في العديد من التصريحات والمناسبات أن خيار دولة الإمارات الوحيد، حاضراً ومستقبلاً، هو التعليم النوعي، وليس الكمّي، ووفق أعلى معايير الجودة، باعتباره الأساس المتين لبناء الإنسان وضمان التنمية المستدامة، وتعزيز مكانة الدولة إقليمياً وعالمياً، وتحقيق الريادة في مختلف المجالات.
وفي هذا الإطار، أطلقت وزارة التربية والتعليم خطة تطوير شاملة للمناهج الوطنية، تمتد حتى عام 2029، تركّز على تحسين جودة التعليم، وتعزيز كفاءة المخرجات وربطها بمتطلبات التعليم العالي وسوق العمل المحلية والدولية. وتتسم هذه الخطة بالمرونة والتدرج في التنفيذ، إذ انطلقت مرحلتها الأولى في العام الدراسي الحالي 2025-2026، عبر تحديث مسارات المرحلة الثانوية، لا سيما مناهج الفيزياء والرياضيات.
وتهدف هذه التغييرات إلى إحداث تمايز واضح ومبني على أسس علمية بين المسار العام، الذي يركّز على المعارف الأساسية والمهارات العامة اللازمة لالتحاق الخريجين بتخصصات متنوعة في الجامعات، والمسار المتقدم الذي يعمّق المهارات العلمية المتخصصة، ويهيّئ الطلبة للدراسات الجامعية في مجالات دقيقة كالطب والهندسة والعلوم المتقدمة.
جاءت هذه الخطوات النوعية ثمرة دراسات منهجية دقيقة وتحليل معمق لبيانات الأداء الفعلي للطلبة، إلى جانب مشاورات موسعة مع مؤسسات التعليم العالي، والقيادات التربوية، وأولياء الأمور، بهدف ضمان تحقيق المواءمة بين محتوى المناهج وقدرات الطلبة وتوجهاتهم المستقبلية.
وبشكل أكثر توضيحاً، فإنه وفي مادة الفيزياء، تم في المسار المتقدم الانتقال من منهج قائم على التفاضل والتكامل إلى آخر يعتمد على الجبر، مما أتاح تضمين موضوعات نوعية حديثة، مثل الديناميكا الحرارية، والبصريات، ونظرية الكم. أما في مادة الرياضيات، فقد جرى إعادة توزيع المحتوى على المراحل الدراسية المختلفة، مع تخفيف بعض الوحدات أو جعلها إثرائية، كما تم إلغاء دروس مدخل التفاضل والتكامل لطلبة الصف الثاني عشر في المسار العام، انسجاماً مع الطبيعة الجديدة لهذا المسار.
وقد حققت هذه التعديلات موازنةً حقيقية بين العبء الدراسي والقدرات التعليمية للطلبة، فخُفف المحتوى غير الضروري عن طلبة المسار العام، في حين أُثري محتوى المسار المتقدم لتعزيز مهارات الطلبة الشغوفين بالعلوم، وتزويدهم بالأدوات والمعارف العصرية، التي تمكّنهم من الابتكار والإبداع، وتؤهلهم لمواصلة تعليمهم العالي بكفاءة وثقة في الجامعات المحلية والعالمية.
كما تمّت مراجعة أدوات التقييم لتتسق مع المناهج المطوّرة، مما يضمن قياساً عادلاً ودقيقاً للكفاءات والمهارات المكتسبة. وأكدت الوزارة أن تخفيف المحتوى لا يؤثر على جاهزية الخريجين، إذ إن المناهج المعدلة ما زالت تغطي متطلبات القبول الجامعي لكل مسار، دون الحاجة إلى دروس إضافية.
ولضمان توحيد التطبيق وإثراء معارف الطلبة، وفّرت الوزارة مواد إثرائية اختيارية عبر منصات التعليم الذكي، وأصدرت أدلة إرشادية شاملة، ونظّمت لقاءات توعوية لضمان التنفيذ الفعّال والمنسق لهذه التحديثات في جميع المدارس على مستوى الدولة.
إن إمعان النظر في خطة تطوير شاملة للمناهج الوطنية يؤكد أن دولة الإمارات لا تتعامل مع التعليم بوصفه مجرد تقديم مواد أكاديمية تقليدية، بل تنظر إليه بوصفه استثماراً استراتيجياً في الإنسان، وقاطرة فعالة للتنمية. فجهود تحديث المناهج، وتطوير أدوات التقييم، وتبني الذكاء الاصطناعي، وتنويع أساليب التعلم، تُعد خطوات استراتيجية لتحويل المدرسة إلى بيئة محفزة على الإبداع والمعرفة، ومع استمرار هذه الجهود، ستشهد منظومة التعليم في دولة الإمارات قفزات نوعية تعزز جودة المخرجات، وتؤهل أجيالاً قادرة على قيادة المستقبل بكفاءة واقتدار.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.


