في الثاني والعشرين من سبتمبر، أقدم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على الاعتراف بدولة فلسطين خلال الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، في خطوة دبلوماسية طال انتظارها.ولكن، هل يعني هذا القرار تغيير الوضع على الأرض؟ الواقع أنه من الواضح أنه لن يغيّر المعطيات على الميدان.
فاعتراف فرنسا بفلسطين لن يثني الجيش الإسرائيلي عن مواصلة حصار غزة وقصفها، ولا عن احتلاله وممارساته القمعية في الضفة الغربية والقدس الشرقية. ثم إنه على الرغم من هذا الاعتراف، فإنه لا توجد حتى الآن حكومة فلسطينية تسيطر على السكان المقيمين على أراضيها، وهو ما يُعد عنصراً أساسياً من عناصر التعريف التقليدي للدولة. ومع ذلك، يمكن القول إن هذا القرار يغيّر الكثير من الأمور لأنه يشكّل تحركاً دبلوماسياً وضغطاً إضافياً على إسرائيل. ذلك أن القرار الفرنسي أدى إلى موجة من الاعترافات، حيث اعترفت كل من المملكة المتحدة، المرتبطة بإسرائيل والعضو الدائم في مجلس الأمن، وكندا، وكلاهما عضو في «مجموعة السبع»، بفلسطين، ومن المرتقب أن تحذو حذوهما نحو عشر دول أخرى.
هذا في حين تخلّفت عن الركب، في الوقت الراهن، كل من اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة بسبب ضغوط قوية من الولايات المتحدة، وجميعها دول كانت ترغب في الانضمام إلى هذه الحركية. قرار إيمانويل ماكرون أثار حفيظة الرئيس دونالد ترامب وغضب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وكذلك غضب أتباعه وأنصاره في فرنسا.
وتُثبت ردودُ الفعل هذه أن هذا القرار ليس رمزياً بحتاً، أو على الأقل أن للرموز أهمية كبيرة في العلاقات الدولية. ذلك أنه لو لم يكن لهذا القرار أي تأثير، لما أثار كل هذه المعارضة. فأصدقاء إسرائيل في فرنسا نددوا بهذا الاعتراف باعتباره سابقاً لأوانه، ولأنه بمثابة مكافأة لـ«حماس» ويأتي في وقت مازال فيه الرهائن محتجزين. والحال أنه إذا لم يتحقق تحرير الرهائن، فلأن بنيامين نتنياهو نسف اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه عدة مرات، وهو ما تندد به عائلات الرهائن. هذا علماً بأن «حماس» تزدهر وتتقوى في ظل غياب حلّ دبلوماسي وسياسي.
ورداً على ذلك، يلوّح بنيامين نتنياهو بإغلاق القنصلية الفرنسية في القدس. والحال أنه أمام هذا التهديد، ينبغي على فرنسا أن ترد بالمثل وألا تسمح بأن تعامَل بهذه الطريقة، وخاصة أنه سبق لإسرائيل أن هاجمت المصالح الفرنسية في عدة مناسبات، وهو ما قابلته فرنسا حتى الآن بقدر كبير من الحلم والأناة. كما هددت إسرائيل بضم الضفة الغربية في حال أقدمت عدة دول من بينها فرنسا على الاعتراف بفلسطين.
والحال أن ذلك قد يعني نهاية الاتفاقيات الإبراهيمية، وما يمنع بنيامين نتنياهو من القيام بذلك ليس هو الاعتراف الفرنسي، وإنما التهديد المتمثل في نهاية الاتفاقيات الإبراهيمية، التي شكّلت النجاح الدبلوماسي الكبير لدونالد ترامب والذي لن يسمح بنسفها بهذه الطريقة. غير أنه من الواضح أن الوقت قد حان لكي تستعيد فرنسا زمام المبادرة في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. فتاريخياً، كانت فرنسا الدولة الغربية الأكثر استماتة في الدفاع عن مبادئ القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
غير أنه على مدى العشرين عاماً الماضية، توارت فرنسا عن هذا الدور وباتت أقل نشاطاً في هذا الملف، فتولّت دولة مثل إسبانيا زمام المبادرة ونالت عن ذلك التقدير. ويجب أن ندرك هنا أن مكانة فرنسا في «الجنوب العالمي»، وفي العالم الإسلامي والعالم العربي، تراجعت بشكل كبير بسبب هذا التواري بشأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وأن الرغبة في تطبيق القانون بوضوح وشجاعة، وبشكل منفرد في العالم الغربي، يعيد لها مكانتها التي فقدتها على مر السنين.
صحيح أن باريس مازالت بعيدة عن استعادة كل تلك المكانة، غير أنه على كل حال حان الوقت لكي تستعيد فرنسا زمام المبادرة في هذا الصراع الذي يُعد أحد الأسباب الرئيسية للهوة التي تفصل بين الجنوب العالمي والعالم الغربي، وسبباً رئيسياً لعدم الاستقرار على المستوى العالمي. ختاماً، يجب إجراء انتخابات في فلسطين، بعد 20 عاماً على آخر انتخابات، ولا شك أن وجود أفق سياسي هو ما يمكن أن يصرف الفلسطينيين عن «حماس». غير أن هذا الاعتراف العالمي لن يغيّر موقف إسرائيل. ويجب ألا تكون لدينا أوهام بهذا الشأن. بل على العكس، فالاعتراف بدولة فلسطين قد يؤدي إلى تشديد إسرائيل لموقفها وسلوكها.
وفي هذه الحالة، يجب الانتقال إلى مرحلة أخرى وعدم التردد في فرض عقوبات عليها. إذ من غير المنطقي تماماً ألا تفرض أي عقوبات على إسرائيل بينما فرضت عقوبات على روسيا. ولا يمكن للأوروبيين أن يقولوا ويكرروا أنهم يدينون بشدة سلوك إسرائيل في غزة والضفة الغربية من دون أن يتخذوا أي إجراءات حقيقية بخصوص هذا الخلاف الخطير.
*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس


