لم تعد القضية الفلسطينية محصورة في أروقة الشرق الأوسط أو بين جدران الصراع العربي الإسرائيلي، بل تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى ملف يعيد صياغة العلاقات الدولية ويرسم مسارات جديدة للتوازنات السياسية في المنطقة والعالم.
الاعترافات المتتابعة بدولة فلسطين من جانب دول أوروبية وأميركية لاتينية وآسيوية لم تكن مجرد خطوة رمزية أو دبلوماسية شكلية، بل جاءت نتيجة تراكم طويل من الفشل في تسوية عادلة ومتصاعدة من السياسات الإسرائيلية، التي أفرزت المزيد من الغضب العالمي تجاه استمرار الاحتلال. هذا التحول يعكس إرادة دولية متنامية لمنح الفلسطينيين حقهم في الاعتراف بوجودهم السياسي كدولة، في مواجهة محاولات الطمس التي استمرت عقوداً.
المشهد اليوم أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، فبينما تسعى بعض القوى الدولية الكبرى إلى الموازنة بين دعمها التاريخي لإسرائيل واعتبارات الشرعية الدولية، نجد أن الضغوط الشعبية والسياسية في الداخل الغربي أخذت تلعب دوراً مؤثراً في دفع الحكومات لاتخاذ قرارات الاعتراف. هذه القرارات لا تنفصل عن التحولات الداخلية في تلك الدول، حيث تزداد قوة التيارات السياسية المؤمنة بالعدالة وحقوق الإنسان، مما جعل القضية الفلسطينية تعود إلى الواجهة كاختبار حقيقي لمصداقية الغرب في الدفاع عن القيم التي يدّعي تبنيها. من هنا، يصبح الاعتراف بفلسطين أكثر من مجرد إجراء سياسي، بل علامة فارقة تكشف حدود ازدواجية المعايير الغربية، وتفتح الباب أمام مسار جديد في العلاقات مع الشرق الأوسط.
في المنطقة العربية، ورغم اختلاف المواقف وتباين الحسابات، يظل الاعتراف الدولي فرصة ينبغي استثمارها بعناية. فالدول العربية التي خاضت سنوات من المساعي نحو التهدئة مع إسرائيل تجد نفسها اليوم أمام معادلة جديدة، حيث لم يعد بالإمكان تجاهل الصوت العالمي المطالب بإنصاف الفلسطينيين. وقد يدفع هذا التحول بعض الحكومات العربية إلى إعادة ترتيب أوراقها، سواء بالضغط عبر القنوات الدبلوماسية أو بتبني مواقف أكثر صلابة في المنظمات الدولية. الأكيد أن الاعترافات الأخيرة تمنح العرب ورقة قوية لإعادة التوازن في المفاوضات المستقبلية، إن وُجدت الإرادة السياسية لتوحيد الصفوف واستثمار اللحظة.
لكن المشهد لا يخلو من تحديات، فإسرائيل، التي تشعر أن شرعيتها التاريخية تتآكل أمام موجة الاعترافات، قد ترد بتصعيد ميداني أو بسياسات أكثر تشدداً، في محاولة لفرض الأمر الواقع ومنع أي ترجمة عملية لهذه الاعترافات. وفي الوقت ذاته، قد تلجأ واشنطن إلى ممارسة ضغوط على حلفائها لفرملة هذا المسار، خشية أن يؤدي إلى عزلة إسرائيل أو تقويض نفوذها في المنطقة. هذه المعضلة تجعل مستقبل القضية الفلسطينية مفتوحاً على عدة سيناريوهات: الأول يتمثل في تعميق العزلة الإسرائيلية وفتح الطريق أمام عضوية كاملة لفلسطين في الأمم المتحدة، والثاني بقاء الوضع في إطار الرمزية دون تغيير ملموس على الأرض، والثالث وهو الأخطر، اندفاع إسرائيل إلى خطوات أحادية توسعية تجر المنطقة إلى موجة جديدة من العنف.
الاعتراف الدولي المتصاعد بفلسطين لا يعني بالضرورة أن الدولة الفلسطينية باتت على الأبواب، لكنه يضعف الركيزة الأهم التي قامت عليها إسرائيل طوال عقود، وهي احتكار الشرعية الدولية وفرض روايتها كحقيقة لا تقبل الجدل. الآن، ومع كل دولة تضيف اسم فلسطين إلى قائمة الاعترافات الرسمية، تتغير المعادلة شيئاً فشيئاً، ويتحوّل الكيان الفلسطيني من مجرد قضية إنسانية إلى كيان سياسي معترف به دولياً. هذا التحول، حتى وإنْ كان بطيئاً، يترك أثراً لا يمكن محوه، ويضع الأسس لتوازن جديد في العلاقات الدولية.
الشرق الأوسط يقف اليوم على أعتاب مرحلة مفصلية، فإما أن تستثمر القوى الإقليمية والدولية، هذا الزخم لصناعة مسار تفاوضي جديد يمنح الفلسطينيين حقوقهم المشروعة، أو يترك المجال مفتوحاً أمام إسرائيل لفرض رؤيتها بالقوة. في كلتا الحالتين، لم يعد العالم كما كان قبل موجة الاعترافات الأخيرة، ولم تعد فلسطين قضية مؤجلة أو منسية، بل عادت لتكون في قلب الجدل السياسي العالمي. وفي ذلك دلالة على أن الشعوب قد لا تملك دائماً القوة العسكرية، لكنها قادرة عبر تراكم المواقف والمساندة الدولية على إعادة صياغة المشهد، وفرض واقع سياسي جديد، مهما طال الزمن.
* لواء ركن طيار متقاعد


