إذا كان الرئيس دونالد ترامب يرغب حقاً في إحداث تغيير جذري في غزة -والحفاظ على آماله في الفوز بجائزة نوبل للسلام- فسيضطر إلى استخدام نفوذه لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
التقي نتنياهو وترامب أول أمس. ورغم نبرة التحدي في خطاب نتنياهو أمام الأمم المتحدة يوم الجمعة الماضي، فلا بد أنه يشعر بعدم الارتياح إزاء معارضة ترامب القاطعة لضم الضفة الغربية، وتقدمه بخطة من 21 نقطة لإنهاء الحرب الوحشية في غزة. يواجه نتنياهو ضغطاً من ائتلافه الحاكم لضم أجزاء من الضفة الغربية، رداً على اعتراف بريطانيا وفرنسا وكندا ودول أخرى بالدولة الفلسطينية.
قد يكون كل هذا مجرد تنسيق بين الزعيمين لتمكين نتنياهو من إخبار ائتلافه أنه ببساطة لا يستطيع تحدي ترامب بشأن الضم، نظراً لما قدمه الرئيس الأميركي لإسرائيل - وخاصة الضربات الأميركية ضد البنية التحتية النووية الإيرانية. ولن تكون هذه المرة الأولى التي يستخدم فيها نتنياهو إصرار رئيس أميركي للتهرب من ضغوط قاعدته. لكن هل ينطبق هذا الحساب أيضاً على غزة؟ لكن هل سيعمل هذا النهج أيضاً في غزة؟
أثناء لقائه يوم الثلاثاء الماضي مع قادة الدول العربية والإسلامية، صرّح ترامب برغبته في إنهاء القتال، ولديه خطة لإدارة القطاع بعد الحرب. تستند خطته بشكل كبير إلى خطة وضعها رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير وجاريد كوشنر، مهندس الاتفاقيات الإبراهيمية، خلال فترة ولاية ترامب الأولى.
يشمل إطار الحكم إدارة مؤقتة برئاسة مجلس أو هيئة إدارية، تشرف على الوزارات التي يديرها خبراء دوليون وإقليميون وفنيون فلسطينيون، بمن فيهم من السلطة الفلسطينية. ستختص هذه الوزارات بشؤون الحياة اليومية، مثل الصحة والمياه والكهرباء والإغاثة الإنسانية والتمويل والإعمار، بالإضافة إلى الأمن والنظام. كما ستُمهّد الخطة الطريق لإعادة إعمار غزة وفق مبدأ إعادة الإعمار مقابل نزع السلاح.
باختصار، ستخلق الخطة بديلاً عن «حماس»، وهو ما يجب أن يروق لنتنياهو من زاوية ما. ففي النهاية، لا بد من وجود بديل لـ«حماس» حتى تتمكن إسرائيل من الانسحاب من غزة. وبينما يرغب بعض وزراء نتنياهو في إعادة توطين المستوطنين في القطاع، ظل نتنياهو يؤكد أنه لا يريد ذلك.
لكن رئيس الوزراء صرّح بوضوح بأنه لن تكون هناك دولة فلسطينية أبداً، بينما تفتح هذه الخطة إمكانية إقامة مثل هذه الدولة. إضافة إلى ذلك، منذ الهجوم الإرهابي الكبير الذي شنّته حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، كان نتنياهو يرغب في إعلان «الانتصار الكامل» لإسرائيل على «حماس»، أي القضاء عليها. إن خطة ترامب لا تستطيع تحقيق ذلك، بل لا تستطيع أي خطة تحقيق ذلك.
بالنسبة لـ«حماس»، فإن الاستسلام لإسرائيل يعني خيانة أيديولوجيتها المبنية على المقاومة والشهادة. (قادة الحركة كانوا مستعدين تماماً للتعامل مع سكان غزة باعتبارهم شهداء، من دون أن يسألوا بالطبع إن كان ذلك مقبولاً لديهم). ومع ذلك، قد ترى «حماس» في القبول بخطة مدعومة عربياً تُخرجها من الحكم شيئاً غير الهزيمة، خاصة لأنها يمكن أن تدّعي أنها تمكّنت من إطلاق سراح آلاف الأسرى الفلسطينيين. وقد يحسب قادتها أنهم، بمرور الوقت، يمكن أن يعيدوا تنظيم صفوفهم تحت إدارة دولية أو إقليمية في غزة.
هذا خوف مشروع لنتنياهو. بالفعل، من المرجح أن يجادل بأن إسرائيل لا تستطيع الانسحاب قبل نزع سلاح «حماس» بالكامل، بينما تستند الخطة إلى نزع السلاح على مراحل. وبطبيعة الحال، لن يحدث نزع السلاح من تلقاء نفسه، بل سيتطلب جهداً مستمراً. ما زال قادة «حماس» يصرحون بعدم رغبتهم في نزع السلاح. لكن في نهاية المطاف، لن يكون هناك إعادة إعمار لغزة من دون ذلك. هذه ليست حجة بل حقيقة: فلا أحد سيستثمر في غزة إذا كانت «حماس» تحتفظ بقدرتها على التعافي وشن حرب أخرى.
هل بإمكان حركة «حماس»، التي فقدت معظم بنيتها التحتية العسكرية، مقاومة إدارة عربية تقود عملية إعادة الإعمار وتعد بإنهاء معاناة سكان غزة؟ مع أن نتنياهو ومن حوله يعتقدون أن إسرائيل وحدها تمتلك الإرادة لقتال «حماس»، إلا أنهم يتجاهلون فشل نهجهم في الحرب في الاختبار الأساسي لمواجهة النزاعات المسلحة: وهو حماية المدنيين. ما زالت «حماس» قادرة على إرهاب السكان لأن مهمة الجيش الإسرائيلي لم تكن حمايتهم.
قد لا تأتي قوة عربية بتفويض لقتل أعضاء حركة «حماس»، لكن مهمتها ستكون حماية السكان. قد يُحدث ذلك فرقاً كبيراً: فمع انعدام الخوف من جانب السكان، ومع إدراكهم إمكانية وجود بديل حقيقي، من المرجح أن نشهد مقاومة شعبية ضد «حماس»، مما سيزيد بشكل كبير من تكلفة عرقلة تطبيق الخطة من قبل الحركة. (تُظهر استطلاعات أجراها «معهد توني بلير للتغيير العالمي» كيف أن غالبية سكان غزة انقلبوا ضد «حماس»، رغم أنهم كانوا عاجزين إلى حد كبير عن مقاومتها، خاصة عندما ينشغلون بمجرد البقاء على قيد الحياة).
ومع ذلك، لا بد من وجود التزام حقيقي من الإدارة المؤقتة، التي تقودها بشكل رئيسي الدول العربية، لتنفيذ خطة نزع السلاح. فالتهاون أو غض الطرف لن يكون كافياً. يجب أن يكون هناك التزام مماثل، مصحوباً بآلية فعّالة، لضمان إنهاء عمليات التهريب التي استخدمتها حركة «حماس» لبناء بنيتها التحتية العسكرية والأنفاق.
سيظل ترامب اللاعب الأساسي. وسيتعين عليه أن يُبقي الإدارة المؤقتة في غزة تحت الضغط لضمان تنفيذ التزامات نزع السلاح فعلياً - وأن يكون مستعداً أيضاً لدعم الردود الإسرائيلية إذا بدأت «حماس» في استعادة قوتها. لكن أولاً، سيتعين عليه الإصرار على أن تنهي حكومة نتنياهو الحرب وتنسحب من المناطق المحتلة.
هذا يتطلب أكثر من مجرد اجتماع يوم الاثنين الماضي. تذكروا أن نتنياهو ماهر في الموافقة على الأمور ثم إثارة مشاكل جديدة لتأخير التنفيذ أو إضعافه. لكن إذا استخدم ترامب نفوذه لإقناع نتنياهو (والدول العربية) بالانضمام إلى هذه العملية، وأدى إلى نتائج ملموسة وفقاً للخطة المقترحة، فربما يحصل على جائزة نوبل للسلام التي يطمح إليها.
دينيس روس*
*مستشار وباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط، وعمل مستشاراً خاصاً للرئيس باراك أوباما.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


