كثّفت الدول الأوروبية في الآونة الأخيرة التداول في فكرة إنشاء «جدار» مضاد للطائرات المسيّرة يحميها من هذا الخطر الجديد.
وإذا كان جوهر الحرب هو المال والرجال في المقام الأول، فإن الطائرات المسيّرة تسمح بتوفير كليهما. كما أنه لئن كان سباق التسلح يعتمد على التقدم والتطور التكنولوجي، فإن الطائرات المسيّرة تضيف بعداً منخفض الكلفة وتقنيةً يمكن أن تكون بدائية أو متطورة للغاية. ونتيجة لذلك، باتت الطائرات المسيّرة عنصراً أساسياً في الصراعات الدولية الأخيرة، من أوكرانيا إلى غزة.
الطائرة المسيّرة أو الطائرة بدون طيار هي في الأصل وسيلة للمراقبة والحصول على البيانات الجغرافية المكانية ونقلها دون الحاجة إلى وجود طيار على متنها. ويتم التحكم في الطائرة المسيّرة عن بعد بواسطة مشغِّل بشري يمكنه تنفيذ عملية عسكرية قاتلة من دون المخاطرة بحياته. واليوم، في عام 2025، باتت 48 دولة تستخدم الطائرات المسيّرة، في حين لم يكن عدد الدول التي كانت تستخدمها قبل 10 سنوات يتجاوز 4 دول.
في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، 90 في المئة من الخسائر البشرية تعزى إلى ضربات الطائرات المسيّرة، التي أضحت السلاح الرئيسي في هذا الصراع، حيث أعلن وزير الدفاع الأوكراني أن بلاده صنعت مليوناً ونصف المليون طائرة مسيّرة في عام 2024، وتخطط لمضاعفة هذا الرقم في 2025. ومن جهتها، تعلن روسيا عن أرقام مماثلة.
وفي الشرق الأوسط، استخدمت حركة «حماس» طائرات مسيّرة مدنية لحمل متفجرات وتعطيل نظام المراقبة الإسرائيلي، بينما كثّف الجيش الإسرائيلي استخدام الطائرات المسيّرة لضرب قطاع غزة وسكانه. وفي منطقة القوقاز، تمكنت أذربيجان من استعادة إقليم ناغورنو كاراباخ من أرمينيا بفضل الطائرات المسيّرة.
الجماعات الإرهابية من الكيانات  التي توصف بأنها «من دون الدول» تستخدم أيضاً هذا النوع من الأسلحة. فقد شن تنظيم «داعش» وفروعه الإقليمية المختلفة هجمات عن طريق ضربات عشوائية على أهداف مدنية، وكذلك فعل تنظيم «جماعة النصرة» التابع لـ«القاعدة» في منطقة الساحل أو «بوكو حرام»  في نيجيريا. ومن جهته، استخدم «حزب الله» هذا النوع من الطائرات بكثافة لضرب شمال إسرائيل.
وقدِّر حجم سوق الطائرات المسيّرة العسكرية في 2024 ب 4.3 مليار دولار، مبلغ من المتوقع أن يزداد بشكل كبير خلال السنوات القادمة. فمنذ عام 2018، طوّرت تركيا ما يمكن وصفه بـ «دبلوماسية الطائرات المسيّرة»، إذ عملت على تزويد أوكرانيا بالكثير منها، واستطاعت أن تضمن لنفسها موطئ قدم في السوق الأفريقية. ومن جهتها، تعمل إيران على تزويد روسيا بطائرات مسيّرة، إذ تصنع طائرات مسيّرة من طراز «شاهد»، التي يمكن أن يصل سعر الواحدة منها إلى 20 ألف دولار.
أما الصين، فقد باتت تحتل مكانة مركزية بفضل قدراتها الابتكارية في مجال الذكاء الاصطناعي وإتقانها لتكنولوجيا البطاريات، التي تُعد مكوناً أساسياً في الطائرات المسيّرة. واللافت هنا أن الصين تبيع هذه الطائرات من دون أن تضطر للالتزام بنظام دولي لمراقبة الأسلحة ومن دون شروط سياسية، إذ تستخدمها بالأساس كوسيلة لتوسيع نفوذها في أفريقيا.
وتختلف الطائرات المسيّرة وتتنوع بشكل كبير من حيث مستواها التكنولوجي وقدراتها ومداها، من الأكثر تطوراً إلى الأجهزة بسيطة المستوى. غير أنها تظل أرخص بكثير من الطائرات الحربية، ومشغِّلوها لا يخاطرون بحياتهم.
وتُستخدم الطائرات المسيّرة كسلاح، أو كوسيلة للخداع والتضليل، أو كوسيلة للمراقبة والحصول على معلومات عن مواقع العدو. المعارك في عصرها باتت تخاض عن بعد. كما أنها تمكّن من ضرب أهداف بعيدة في العمق. وبفضلها عرفت التكتيكات ووتيرة المعارك وتنظيم ساحة المعركة تحولا كبيرا. وعلاوة على ذلك، فإن استخدام الطائرات المسيّرة يضاعف قدراتِ المقاتلين، ويتيح لمشغِّلي المسيّرات إمكانية البقاء بمنأى عن مناطق القتال. وعلى سبيل المثال، فإن أوكرانيا، وبفضل استخدام طائرات مسيّرة انتحارية مخبأة في حاويات، تمكنت من ضرب قواعد جوية روسية تقع على بعد 4600 كيلومتر داخل الأراضي الروسية في يونيو 2025. وبذلك، يمكن القول إن الطائرات المسيّرة محت حدود الحرب التقليدية. وتُعد الطائرات المسيّرة أقل كلفة من الطائرات الحربية، ولكنها أقل كلفة أيضا من الصواريخ بعيدة المدى أو صواريخ كروز. بل إنه بات بالإمكان اليوم تحويل طائرات مسيّرة مدنية واستخدامها كمسيّرات عسكرية. كما بات تطوير طائرات مسيّرة أصغر حجما وأكثر كفاءة يسمح بالتفكير في أنواع جديدة من الهجمات، وخاصة تلك التي تستخدم فيها أعداد ضخمة من هذه الطائرات (مجموعات من الطائرات المسيّرة التي تعمل بشكل منسق وتستخدم الذكاء الاصطناعي). فباستخدام الطائرات المسيّرة يمكن تحقيق «تأثير التشبع» (استخدام المسيّرات بأعداد تفوق قدرة ردارات المراقبة والدفاعات الجوية على رصدها والتصدي لها)، ولكن أيضاً تحقيق مكاسب في المعركة النفسية. وفي هذا السياق، بات بعض الخبراء يتحدثون عن الحرب «الرشيقة» التي تعتمد على دورات التكيف التكنولوجي المكثف من خلال الاستجابة السريعة لتطور الاحتياجات الميدانية وللتقدم التكنولوجي للخصم.
*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس