في عالم يُعاد بناؤه تحت ضغط التحولات الرقمية وتتشابك فيه المرجعيات الثقافية، لم يعد مفهوم «القدوة» قضية تربوية هامشية، بل أصبح عنصراً بنيويّاً في معادلة الأمن الفكري وصناعة الوعي الجمعي، فالحفاظ على الهوية لا يتحقق بالمناهج وحدها، ولا بالخطاب الإعلامي المنظر، بل بقدرة المجتمع ومؤسساته على إنتاج نماذج إنسانية تُجسِّد القيم في الفعل قبل القول، وتعيد إلى الانتماء معناه الحي، وإلى السلوك مرجعيته الوطنية..
إن ندوة «القدوات المجتمعية»، التي عقدها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية يوم 16 أكتوبر 2025، مثّلت لحظة مفصلية في تأطير هذا المفهوم خارج أسوار التنميط التقليدي. ولم يكن النقاش فيها معنيّاً بوصف الصفات المثالية، بل بتفكيك البنية التي تنتج «القدوة الفاعلة»، وتعيد إنتاجها عبر شبكات التعليم، والإعلام، والثقافة، والمؤسسة المجتمعية.
وتضيء المقارنة الدولية على تحولات دالة. وتشير تقارير، مثل «التعليم والتماسك الاجتماعي» لمنظمة الاقتصاد والتعاون الدولي 2024، إلى تصاعد الاعتماد على ما يسمى «نمذجة القيم»، بصفتها وسيلة غير مباشرة لإعادة توجيه السلوك الجمعي، ولا سيما بين الناشئة. ولم تكتفِ دول، مثل فنلندا وسنغافورة، بترويج الشخصيات الملهمة، بل أدمجت هذه النماذج ضمن أطر قانونية وتربوية قابلة للقياس والتقييم المؤسسي. وفي الولايات المتحدة بيّنت دراسة لمؤسسة Brookings في عام 2022 أن برامج «نمذجة الشخصيات» أسهمت في خفض السلوكيات الخطرة بنسبة 17 في المئة بين طلبة التعليم العام.
وفي هذا السياق لا تدعو صناعة القدوة إلى الترويج لأشخاص، بل إلى تأسيس «هندسة قيمية تمثيلية» تشكّل معياراً مرجعياً للسلوك الوطني، فالمجتمعات لا تنهض بغياب النموذج، كما أن غيابه يخلق فراغاً يُملأ تلقائيّاً بنماذج مستوردَة مفارِقة بنيويّاً للهوية والسياق الوطني.
وفي الحالة الإماراتية يمثل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مثالاً استثنائياً لتحوّل الشخصية القيادية إلى نظام قيمي يتجاوز الحدود التاريخية والجغرافية، وتتقاطع فيه السلطة الرمزية مع الحضور السلوكي. ولم يكن زايد قدوة بمفهوم التمجيد، بل ممارسة يومية تجسّد القيم الكبرى: الكرامة، والحكمة، والإحسان، والعدالة الاجتماعية. ومن هنا، فإن استلهام هذه التجربة لا يكون بالاستدعاء العاطفي، بل ببناء بنية مؤسسية تستوعب أدوار القدوة، وتقنن أثرها، وتعيد ربطها بالمصلحة العليا للدولة.
والتحول اللافت للنظر في العقود الأخيرة، المتمثل في انتقال مركز التأثير من القدوة البنّاءة إلى «المؤثر الجماهيري»، يحوّل النقاش من التمثيل إلى التصفية القيمية، فليس كل ظاهر مؤثر جديراً بالاقتداء، وإنّ غياب المعيار المؤسسي في هذا المجال يخلق بيئة خصبة لاختلال الموازين الثقافية.
إن المشروع الوطني الاستراتيجي لصناعة القدوة لا ينفصل عن الأمن الثقافي، ولا عن منظومة الاستقرار المجتمعي، بل هو جزء من البنية التحتية للتماسك الرمزي. وإذا كانت الدول تبني خطوط دفاع لحماية حدودها، فهي اليوم مدعوة لبناء أنظمة تمثيلية تحمي وعيها، وتُحسن انتقاء من يُجسّدها أمام أجيالها القادمة.
د. كريمة مطر المزروعي*
*مستشار جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.


