هل تساءلنا يوماً عن قيمة الكهرباء التي نخزنها؟ فالكيلووات ساعة المولد من أشعة الشمس لا تساوي تماماً تلك الناتجة من مولد الديزل، ومع ذلك تتعامل الأسواق معهما بالسعر نفسه، ومن هنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكننا بناء سوق طاقة تقدِّر الفارق بين النظافة والكفاءة، وتعكس في الوقت نفسه العدالة الاقتصادية في تسعير الطاقة المخزنة؟
ومع تسارع الاستثمار في الطاقة المتجددة، وتنامي التوجه العالمي نحو تصفير الانبعاثات الكربونية، أصبحت البطاريات اليوم أحد الأعمدة الرئيسية لضمان استقرار شبكات الكهرباء، وتحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، ولكن السؤال الأهم هو: كيف تُسعر الطاقة المخزنة داخل هذه البطاريات؟ و
كيف يمكن أن تستعيد البطارية استثمارها؟ ولا يزال تسعير أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات قائماً في معظم الأسواق على آليات تقليدية لا تميِّز بين من ينتج الكهرباء، ومن يخزِّنها، فهذه البطاريات، التي تُبنى على نطاق صناعي لتخزين كميات ضخمة من الكهرباء، تُشحن عندما تكون الأسعار منخفضة، وتُفرغ طاقتها عندما ترتفع، فيما يُعرف بـ«المراجحة السعرية». كما تحصل أحياناً الجهات المشغلة لهذه البطاريات على مكافآت مقابل جاهزيتها لتزويد الشبكة بالطاقة في أوقات الذروة، أو تُستخدم لدعم الشبكة، وتنظيم التردد والجهد الكهربائي لضمان استقرار الإمدادات. وعلى عكس محطات توليد الكهرباء التقليدية، فإن هذه البطاريات لا تحقق أرباحها من بيع الطاقة فقط، بل من منظومة متنوعة من مصادر الدخل، فهي تقدم خدمات للشبكة تُكافَأ عليها مالياً، وتُبرِم بشأنها شركات المرافق، أو أطراف ثالثة، عقوداً ثابتة، أو نظم مكافآت محددة مسبقاً.
ومع توافر الحوافز الحكومية، أو الإعفاءات الضريبية، يمكن لهذه المشروعات أن تسترد رأسمالها بسرعة، وتستقطب مزيداً من المستثمرين إلى هذا القطاع الحيوي. وتستند بعض مشروعات تخزين الطاقة إلى عقود طويلة الأجل، أو اتفاقيات شراء طاقة تضمن تدفقات مالية مستقرة طوال سنوات التشغيل. وقد تُدرَج البطاريات، في الأسواق الخاضعة للرقابة التنظيمية، ضمن أصول شركات المرافق العامة، بحيث تُستعاد تكاليفها عبر التعريفة المعتمَدَة، مع تحقيق عائد استثماري محدّد سلفاً. أما إذا توافرت الحوافز الحكومية، أو الإعفاءات الضريبية، فإن ذلك يقلِّص فترة استرداد رأس المال، ويشجع المستثمرين على دخول هذا القطاع الحيوي بثقة أكبر.
وعلى الرغم من التطور الكبير في أسواق الطاقة، فمازالت هياكل التسعير الحالية عاجزة عن عكس القيمة الحقيقية للتخزين الكهربائي، فأسواق الكهرباء تفقد فرصاً اقتصادية كبيرة نتيجة استمرارها في تطبيق نظم تسعير تقليدية، إذ لا تُفرِّق في معظم الحالات بين الطاقة النظيفة المولدة من الشمس، وتلك الناتجة من الوقود الأحفوري، برغم اختلاف الأثر البيئي لكل منهما. وإذا أُهمل تدهور البطاريات، وخسائر التخزين مع مرور الوقت، فإن ذلك يؤثر سلباً في الكفاءة والعائد الاقتصادي. وفي بعض الأسواق تُفرَض رسوم مزدوجة على البطاريات عند الشحن والتفريغ، ما يقلّل من جدوى الاستثمار في مشروعات التخزين، فهل من المنطقي أن تُسعر كل الطاقة المخزنة بالسعر نفسه، بغض النظر عن مصدرها، أو مدة بقائها داخل البطارية؟ وفي النهاية، فإن تسعير الطاقة المخزنة، بحسب مصدرها ووقتها، ليس مجرد فكرة نظرية، بل خطوة ضرورية لجعل السوق أكثر عدالةً واستدامةً، فحين يصبح التسعير أكثر وعياً بالمصدر والزمن والتدهور، نكون قد اقتربنا من بناء شبكات كهرباء أكثر كفاءة ونظافة، وبطاريات تحقق عائداً اقتصادياً حقيقياً.
وربما يأتي اليوم الذي نرى فيه فاتورة كهرباء تخبرنا متى وأين تم تخزين كل كيلووات ساعة، ولكن المؤكد أن مستقبل الطاقة الذكية سيبدأ من البطارية الذكية.
د. أمينة السميطي*
*أستاذ جامعي مشارك- رئيس مختبر الأبحاث للعمليات الذكية - جامعة خليفة
خريجة برنامج خبراء الإمارات 3 - قطاع العلوم المتقدمة واقتصاد المستقبل.


