نشرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في 7 نوفمبر الجاري مقالاً لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك بعنوان «نحن في وضع خطير.. يجب وقف الدمار»، بدأه بالقول إن «إسرائيل الحرة التي نعرفها تنهار أمام أنظارنا». وأضاف أن الأمر يتجاوز الخلاف بين اليمين واليسار، أو بين أنصار نتنياهو وخصومه، وإنما هو خيار بين إسرائيل اليهودية الصهيونية الديمقراطية وإسرائيل الديكتاتورية العنصرية الدينية الظلامية الفاسدة، أو بين دمار الصهيونية ودولة إسرائيل أو الإصلاح الجذري للتعافي من الوضع الذي قادت إليه حكومةٌ تتصرف بشكل مخالف للقانون والمصالح الوطنية، ولم تعد تَصلُح معه الحلول الوسط.
ومن هنا وجّه باراك الدعوةَ إلى تفعيل ما سمّاه مبدأ «الديمقراطية الدفاعية»، واللجوء إلى العصيان المدني السلمي، وفق نهج غاندي، ومارتن لوثر كينج، حتى يتم القضاء على ما سماه «حكومة الإهمال والفوضى»، ومن ثم فقد دعا جميعَ مَن في المناصب القيادية للتحرك، حتى ولو لم يكونوا موقنين بنجاح عملهم، ذلك أن العمل الموحد للجميع سيغير الموازين، ويُمَكِّن من تفادي الدمار.
وفي هذا السياق دعا باراك جميعَ قادة المعارضة إلى إغلاق جلسات الكنيست حتى يتم إسقاط الحكومة، كما دعا جميع أعضاء الكنيست والجمهور والحركات الاحتجاجية إلى الاعتصام للهدف نفسه، بل توسع في دعوته لتشمل المسؤولين كافة عن الاقتصاد والهستدروت والأكاديميين والسلطات المحلية، وجهازَي التعليم والصحة، وحركة الكيبوتسات والمستوطنات، وحركات الشباب الصهيونية.. كما طالب المستشارة القانونية للحكومة بالإعلان عن عدم أهلية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. ووجّه الدعوة ذاتها إلى رئيس جهاز «الشاباك»، وفقاً للمادة 7 من قانون الجهاز. وبهذا فقط، وفقاً لباراك، يمكن الانتصار على نتنياهو. ومن المعروف أن تقييم أداء حكومة نتنياهو في مواجهة أحداث 7 أكتوبر 2023 وما بعدها، قد أثار انتقادات واسعة لنتنياهو الذي احتمى منها دائماً بأغلبيته البرلمانية المتماسكة.
وقد تصاعدت الانتقادات بمرور الوقت مع استمرار العجز عن حسم المواجهة، ثم تصاعدت أكثر في الآونة الأخيرة مع تزايد الانخراط الأميركي في عملية التسوية، واتهام نتنياهو بأنه استسلم للضغوط الأميركية، غير أن مقال باراك مثّل نقلةً نوعيةً في هذه الانتقادات. وهذا مع العلم بأن باراك، من ناحية، ليس شخصاً عادياً في السياسة الإسرائيلية، إذ سبق أن وصل إلى أعلى المناصب في الجيش رئيساً للأركان ووزيراً للدفاع، كما تولى في أوقات مختلفة وزارات أخرى كالزراعة والتنمية الريفية والسياحة والخارجية، والأهم هو توليه رئاسة الحكومة بين عامي 1999 و2001..
ومن ناحية أخرى، فقد وصل في تكييفه للوضع الراهن في إسرائيل إلى الذروة على النحو السابق بيانه: إما الخلاص من نتنياهو وحكومته، أو دمار إسرائيل. هل تكون إذاً لدعوة باراك من أجل إسقاط الحكومة بوسائل سلمية تأثيرٌ حقيقي على المعادلة السياسية الراهنة في إسرائيل؟ يستبعد عديد من المحللين أن تُفضي دعوة باراك هذه تحقيق أهدافها، أي إسقاط حكومة نتنياهو، وذلك لأسباب عدة؛ أولها أنه واجه مِن قَبل معارضةً أشد ضد خططه لما أسماه «إصلاح القضاء» في مطلع 2023، ومع ذلك فقد صمدت حكومتُه. والسبب الثاني أن المعارضة غير موحدة، بينما الائتلاف الحاكم مازال موحداً.
والسبب الثالث أن هناك تكلفة اقتصادية باهظة لتنفيذ دعوة باراك قد تدفع الكثيرين لعدم تنفيذها. والسبب الأخير أن الإجراءات التي طلبها من المستشارة القانونية للحكومة ورئيس «الشاباك» إجراءات معقد وبطيئة، ولذا قد تكون القيمة الأساسية لدعوة باراك أنها تشير إلى تفاقم الخلافات السياسية الداخلية في إسرائيل.
*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة


