قد يكون الوقت قد حان للتخلي عن قضية المناخ. وهذا ما يراه من يصفون أنفسهم بالواقعيين، الذي يقولون إن الأهداف التي وضعناها للحد من تلوث الكربون غير قابلة للتحقيق، وتفشل عالمياً. لذا، يجب التوقف عن التظاهر، واتخاذ إجراءات جديّة.
ويرى الباحث في تاريخ الطاقة دانيال ييرغين وزملاؤه في مقال نُشر في أبريل الماضي أن «المسار العملي» للمضي قدماً في عملية الانتقال في قطاع الطاقة هو الاستنتاج بأن هذا الانتقال لن يحدث أصلاً. وجادل مركز أبحاث أسّسه رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير بأن الطموحات الحالية «غير واقعية، وبالتالي غير قابلة للتطبيق». أما الرئيس دونالد ترامب فقد عبّر عن موقفه بعبارات أكثر صرامة، قائلاً إن العمل المناخي «خدعة»، وينبغي التخلي عنه.
وتعتبر تلك الأصوات المعارضة صاخبة ومُلحة لدرجة أنه من السهل إغفال مدى خطئها، لاسيما عندما نفوّت بعض الطموحات، مثل التعهد بالحفاظ على الاحترار العالمي دون 1.5 درجة مئوية. لكن في الحقيقة، تُشير الأدلة المستمدة من قرابة ثلاثة عقود من دبلوماسية المناخ إلى أننا عندما نحدد هدفاً، فإننا نحققه، مما سيُقوي عزيمة السياسيين المجتمعين حالياً في قمة المناخ في مدينة بيليم البرازيلية.
وعلى سبيل المثال، يُذكر اليوم بروتوكول كيوتو، وهو اتفاق عام 1997 بين الدول الصناعية، الذي تعهّد بخفض انبعاثاتها بنسبة 5% عن مستويات 1990، على أنه فشل ذريع، لكنه في الواقع كان نجاحاً كبيراً، إذ حقق خفضاً أعمق بكثير بلغ 22.6%. ولم تكن المشكلة في عدم بلوغ الهدف، فالانبعاثات ارتفعت فعلاً في العقد الأول من الألفية بسبب الدول غير الموقعة على البروتوكول، وليس الملتزمة به.
أو لننظر إلى تعهد الاتحاد الأوروبي الأول بموجب اتفاقية باريس عام 2015 بخفض الانبعاثات في 2030 إلى 40% عن مستويات 1990.
واستهزأ به الكثيرون حينذاك، وكتب بيورن لومبورغ، المعارض الدائم للتحرك، في صحيفة «وول ستريت جورنال» أن الوعود «ستفشل في تحقيق نتائج ملموسة للحد من تغير المناخ»، بل إن مصادر أكثر مصداقية أبدت شكوكها. ففي عام 2017، توقعت الوكالة الأوروبية للبيئة أن الاتحاد لن يحقق الهدف، وأن وتيرة خفض الانبعاثات ستتباطأ قريباً.
ولكن التلوث الكربوني في العام الماضي كان بالفعل أقل بـ37% من مستواه عام 1990، وبناء على الاتجاه الحالي، قد يحقق الاتحاد الأوروبي خفضاً بنسبة 54%، وهو كافٍ تقريباً لتحقيق الهدف الأشد صرامة الذي أُقر عام 2020. وهؤلاء «الواقعيون» الذين يسخرون اليوم من أحدث طموحات بروكسل لتقليل الانبعاثات 90% بحلول 2040 يجدر بهم مواجهة سجل طويل من الوعود التي أُنجزت، لا التي لم يتم الوفاء بها.
وينطبق الأمر نفسه على وعد الصين قبل خمس سنوات بتركيب 1200 غيغاواط من طاقة الرياح والطاقة الشمسية بحلول عام 2030. وفي نهاية سبتمبر الماضي، كانت قد تجاوزت هذا الرقم بكثير، حيث تم توصيل أكثر من 1700 غيغاواط إلى مستهلكي الطاقة. ولم يُكلف الكثيرون أنفسهم عناء التشكيك في هدف 3600 غيغاواط بحلول عام 2035 الذي أعلنه الرئيس شي جين بينغ في سبتمبر الماضي.
وفي كل مرة، ثبت خطأ الواقعيين الرصينين، بينما تجاوزت آمال النشطاء الجامحة أقصى التوقعات. وهذا ينطبق حتى على الصور التفصيلية للمستقبل التي وضعتها وكالة الطاقة الدولية. ستكون كمية الكهرباء المتجدّدة التي سيولدها العالم العام الحالي أكثر بنحو 9% مما قدرته وكالة الطاقة الدولية في عام 2018 للحفاظ على الاحتباس الحراري دون درجتين مئويتين.
ولو اتبعنا سيناريو السياسات الحالية لوكالة الطاقة الدولية، وهو نموذج يُفضل الوقود الأحفوري، الذي أعادت الوكالة طرحه العام الحالي بعد ضغوط من إدارة ترامب، لكنا سنبالغ في تقدير مستوى الطلب على النفط لعام 2025 بنحو 4.2 مليون برميل يومياً. وهذا يُعادل إنتاج العراق، ثاني أكبر مُنتج في منظمة أوبك. وقد قلّل هذا السيناريو نفسه من تقدير إنتاج الطاقة المتجددة لهذا العام بمقدار 2600 تيراواط/ساعة، وهو ما يُعادل إجمالي الكهرباء المُولدة في الاتحاد الأوروبي.
ولا تكمن المشكلة في إخفاقنا في تحقيق أهدافنا، بل في أن الإيقاع المتواصل المُضلل يشجع على نسيان التقدم الذي أحرزناه بالفعل، وخفض طموحاتنا للمستقبل. وتستمر الانبعاثات في الارتفاع، ليس بسبب فشل الدول في الوفاء بوعودها بشأن المناخ، ولكن بسبب الدول التي لا تقدم وعوداً كافية على الإطلاق، مثل إقدام ترامب على تفكيك إجراءات المناخ الأميركية.
قبل خمس سنوات، كانت أكثر خطط خفض الانبعاثات طموحاً التي وضعتها الحكومات ستؤدي إلى ارتفاع في درجة الحرارة بنحو 3 درجات بحلول نهاية القرن. ونواجه حالياً ارتفاعاً في درجة الحرارة بمقدار 2.3 درجة مئوية، وهو تغيير لا يزال كارثياً، ولكنه يقترب أكثر فأكثر من المستوى الذي يقل كثيراً عن درجتين مئويتين وهو المستوى المطلوب. ويجب إدراك أن اتفاقية باريس لعام 2015، التي تم رفضها ووصفها بأنها «خدعة» و«تدرج خطير»، تعمل بالفعل.
ومع إعادة تشكيل أنظمة الطاقة بفضل الألواح الشمسية، وتوربينات الرياح، والمركبات الكهربائية، والبطاريات القابلة لإعادة الشحن، فإن التحول في مجال الطاقة على وشك تحقيق النصر. عليكم فقط تجاهل المتشائمين الذين لا يرون ذلك.
*كاتب متخصص في قضايا تغير المناخ والطاقة
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


