كمتابعين لمسؤولية دول العالم عن مشاكل البيئة العالمية، دائماً ما يبرز أمامنا جدل سرمدي يدور حول الدور الذي يجب أن تقوم به الدول الصناعية من جانب ودول العالم النامي من جانب آخر تجاه حل مشكلة انبعاث الغازات في الجو. توجد في الإجابة على هذا السؤال مجموعة صعوبات، لكن الصعوبة الأولى التي تواجه الباحثين والمفكرين تدور حول فكرة أن ردود الأفعال غالباً ما تنطلق من طبيعة المشاكل البيئية بشكل عام من حيث كونها محلية أو عالمية حقاً من حيث المنشأ والطابع. وتحديد وصف طبيعة المشاكل هذا يرتبط بأمرين مريرين يتسمان بعدم العدالة، وعدم الإنصاف العالميين، ويرتبطان بمواقع الدول جغرافياً وبحجم الثروات التي تحوزها، وبارتباط ذلك بمصالح الدول الخاصة، وبقدرة كل دولة على تحقيق مصالحها من عدمه.

النظرة الكونية إلى مشاكل البيئة العالمية والسياسات المرتبطة بها وحولها يتم فهمها كمحاولات من قبل دول العالم الصناعي لحل المشاكل الخاصة بها على حساب دول العالم النامي من زاوية تنفيذ مشاريع التنمية الاقتصادية لدى الأخيرة. وهذا الأمر يوجه كانتقاد لاذع يطرحه علماء غربيون دارسون للتنمية في دول العالم النامي ومواقف دولهم السلبية المعرقلة لهذه المشاريع بدعاوى المحافظة على البيئة العالمية. ومن ضمن محاولات العرقلة هذه القول بأن دول العالم النامي هي مسؤولة عن ارتفاع درجة حرارة الأرض.

ويأتي ذلك من تسارع وتيرة التنمية الصناعية وزيادة استخدامها للطاقة الأحفورية التي ينبعث عنها غاز ثاني أكسيد الكربون المتسبب في ارتفاع حرارة الأرض والاحتباس الحراري. انبعاث الغازات ناتج عن استخدامات الطاقة الأحفورية في محطات توليد الكهرباء ووسائط النقل وصناعة العطور وفي شتى أنواع المراجل والمصانع المنتجة للصناعات الثقيلة. ويرى خبراء مهتمون بهذا الأمر بأن السياسة المناسبة للحد من ارتفاع حرارة الأرض هي تخفيض استخدام الطاقة الأحفورية ومن ثم تخفيض انبعاث الغازات في الجو. لكن هذا أمر صعب جداً وفقاً لمعطيات أنواع الطاقة المستخدمة حالياً في المناشط البشرية.

ويعود السبب في ذلك إلى أن الغازات المنبعثة هي نتاج مباشر لأنواع النشاطات الاقتصادية المفصلية القائمة في عالم اليوم وفي جميع دول العالم بلا استثناء. الحقيقة الماثلة تفصح عن أنه إذا ما رغبت دول العالم النامي في زيادة إنتاجها الاقتصادي مستخدمة نفس التكنولوجيا والمناهج التي تستخدمها الدول الصناعية المتقدمة، فإن مجمل انبعاثات الغازات سترتفع، فمن هي الدول التي ستتحمل تكلفة الآثار السلبية التي ستنتج عن ذلك؟ دول العالم الصناعي المتقدمة تقول بأن هذا من مسؤولية دول العالم النامي وحدها.

لكن من مناظير دول العالم النامي هذا أمر غير منصف ومعيق لعمليات التنمية لديها. دول العالم الصناعي تقترح بأن مجمل انبعاثات الغازات في الجو يجب أن تستقر عند مستويات معينة يتم الاتفاق عليها بين جميع دول العالم، ثم بعد ذلك يجب أن يتم البدء في تخفيضها تدريجياً، لكن دول العالم النامي ترى بأن تحقيق ذلك ضرب من المستحيل. وعليه، فإن السؤال الرئيس المطروح من قبل دول العالم النامي يدور حول وسائل تحقيق ذلك التخفيض دون المساس بمصالحها؟ وكيف يمكن تقاسم عملية التخفيض بشكل عادل ومتوازن؟ وللحديث صلة.

*كاتب إماراتي