يمثّل دخول ثماني منشآت صحية في أبوظبي ضمن أفضل المستشفيات المتخصصة في الشرق الأوسط للعام 2026، وفقاً لتصنيف مجلة «نيوزويك»، إنجازاً كبيراً، يعكس نجاح الاستراتيجية الشاملة لتحسين المنظومة الصحية في الإمارة. ويسهم هذا التصنيف في إظهار تفوّق المؤسسات الصحية الإماراتية، ويكشف عن نجاح نموذج إدارة صحية فعّال، يحوّل الاستثمار في الصحة إلى أداة مهمة لتعزيز مكانة أبوظبي على الصعيد الإقليمي والعالمي.ويحظى ملف الصحة بأهمية خاصة لدى القيادة الرشيدة، على النحو الذي يظهر في قول صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إن «الاستثمار في الصحة استثمار من أجل المستقبل الأفضل للمجتمعات، والإمارات ماضية في تعزيز نهجها الذي يضع الصحة في قمة الأولويات التنموية ويعزز ثقافة الحياة الصحية والوعي بخطورة الأمراض وتداعياتها السلبية على الفرد والمجتمع والوطن».
ولا يمكن قراءة تصدّر «كليفلاند كلينك أبوظبي» تخصصات القلب والجهاز الهضمي وطب الأعصاب بمعزل عن فلسفة الشراكات الطبية العالمية التي اعتمدتها أبوظبي. فالإمارة لم تكتفِ بنقل أسماء عالمية، بل عملت على توطين المعرفة وبناء كوادر متعددة الجنسيات، ودمج أفضل الممارسات الدولية ضمن بيئة تنظيمية محلية، على النحو الذي أصبحت معه المستشفيات مراكز إنتاج للمعرفة الطبية وليست مجرد مواقع لتقديم الخدمة.
ويكتسب وجود 4 منشآت أخرى ضمن المراكز العشرة الأولى في تخصصات مختلفة دلالة استراتيجية إضافية، إذ يشير إلى أن التميز لم يَعُدْ محصوراً في مؤسسة واحدة، بل بات سمة عامة لمنظومة متكاملة، كما أنه يعكس نجاح السياسات التنظيمية في توحيد معايير الجودة والسلامة عبر القطاعين العام والخاص، بما يمنع التفاوت في مستوى الخدمة.
ومن منظور أوسع، فإن اعتماد تصنيف «نيوزويك» على منهجية شاملة، تشمل آراء الخبراء ونتائج المرضى والاعترافات الدولية وتجارب المرضى، يضفي على هذا التصنيف مصداقية كبيرة ويجعله يتجاوز التقييمات السطحية، والتقدم في هذه المؤشرات يعني أن أبوظبي لم تُركز فقط على تطوير البنية التحتية أو استخدام التقنيات المتقدمة، بل اهتمت كذلك بجودة الخدمات الصحية وسلامة المرضى وعملية التطوير المستمر، وهي عناصر أساسية تُشكّل اليوم أساس أي نظام صحي منافس على المستوى العالمي.
كما أن التركيز على تخصصات طبية ذات تأثير كبير على الصحة العامة، مثل أمراض القلب والأورام وطب الأعصاب وطب الأطفال، يعكس فهماً عميقاً لأولويات الصحة في المنطقة والعالم. والاستثمار في هذه المجالات ليس فقط لتقديم رعاية طبية أفضل، بل أيضاً لخفض التكاليف الصحية على المدى الطويل وتحسين الإنتاجية الاقتصادية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
وتبرز في هذا السياق أهمية دور دائرة الصحة في أبوظبي، والتي نجحت في بناء نظام رقابة مرن. والتوازن بين تشجيع الابتكار وضمان السلامة من جهة وجذب الاستثمارات والحفاظ على معايير أخلاقية ومهنية عالية من جهة ثانية، ليس بالأمر السهل، لكنه كان واحداً من أهم أسرار نجاح هذه التجربة. ومن خلال وضع معايير واضحة لممارسة الخدمات، واعتماد مؤشرات أداء ترتكز على البيانات، وتعزيز الشفافية والمساءلة، تم إنشاء بيئة تنافسية صحية تشجع مقدمي الخدمات على السعي المستمر نحو التحسين.
ولا شك أن التميز الصحي يضيف بعداً جديداً لدور أبوظبي الإقليمي، ليصبح النظام الصحي في الإمارة مرجعية طبية لدول المنطقة التي تعاني فجوات في الرعاية التخصصية. ومع تزايد الطلب على خدمات علاجية عالية الجودة في المنطقة، يصبح النظام الصحي أداة قوية لتعزيز الروابط العابرة للحدود وبناء شراكات قائمة على الثقة والمعرفة. هذا النوع من الشراكات لا يقوم فقط على المصالح الاقتصادية المباشرة، بل على تبادل الخبرات والمعرفة لتحقيق منفعة مشتركة.
لقد نجحت أبوظبي في تحويل الرعاية الصحية إلى مشروع شامل، يجمع بين الجودة والحوكمة الذكية، والاستثمار طويل الأمد في الإنسان والمعرفة. وهذا الواقع لا يكرّس موقع الإمارة كقائد إقليمي في التميز الصحي فحسب، بل يضعها أيضاً في مصاف النماذج العالمية القادرة على استشراف مستقبل الطب، وبناء منظومة صحية لا تستجيب للتحديات فحسب، بل تصنع فرصها الخاصة في عالم سريع التحول.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.


