التقلّبات الكبرى في الشرق الأوسط مستمرةٌ ومتصاعدةٌ، ولم تصل لمداها الأقصى بعد، فما زال في الأفق تجّدد للحروب بين إسرائيل وإيران، والحضور الأميركي العسكري، وما زالت إيران تشهد اضطرابات بعد الحرب الأخيرة التي استمرت عدة أيامٍ، وهكذا في مناطق شتى في شرق أوسطٍ جديدٍ يعيد التشكُّل. نشرت صحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية تحت عنوانٍ عريضٍ يقول: «حماس: أسلحتنا في غزة خفيفة لا تهدد إسرائيل»، وجاء فيه: «قللت مصادر قيادية من حركة حماس مما وصفته بـ (الفزاعة) التي تستخدمها إسرائيل بشأن سلاح الحركة وضرورة نزعه»: وأكملت الصحيفة: «وقالت المصادر للشرق الأوسط، إن ما تمتلكه الحركة في قطاع غزة هي أسلحة خفيفة، ليس لها أي تأثيرٍ حقيقيٍ ولا يمكن أن تُشكّل خطراً حقيقياً على الاحتلال الإسرائيلي، وبالكاد تستخدم للتصدي لتلك القوات، ولا تصلح لتنفيذ هجمات كبيرة».

وهذه التصريحات غير مسبوقةٍ، بمثل هذه الصراحة والوضوح، إذ تتحدث هذه المصادر القيادية من «حماس» عن سلاح الحركة باعتباره مجرد «فزاعة» تستخدمها إسرائيل في المرحلة الحالية، فهل تقصد أنها كانت «خطيرةً» و«حقيقيةً» ثم ضربتها إسرائيل ودمرتها، ثم بدأت بعد هزيمة «حماس» تستخدمها كفزاعةٍ لتحقيق شروط تفاوضٍ أقوى مع أميركا للانتقال للمرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب؟ أم أن المقصود كونها مجرد «فزاعةٍ» من قبل ومن بعد؟

الأمر الآخر والأخطر هو أنه يقول بأن هذه الأسلحة لا تهدد إسرائيل، والسؤال هو: إذا كانت لا تهدد إسرائيل فعلياً، فلماذا كل هذا الإصرار والاستماتة على الاحتفاظ بها؟ مَن هو الذي تريد «حماس» محاربتَه بهذه الأسلحة الخفيفة؟ هل المقصود هو السلطة الفلسطينية؟ بالتأكيد لا، فالسلطة الفلسطينية لا تمتلك أي عناصر مسلحةٍ في غزة، وقد حرصت «حماس» منذ بداية انقلابها الدموي العسكري في غزة، أي طوال عقدٍ ونصف العقد، على تصفية كل مَن ينتسب للسلطة الفلسطينية.. إذن فمَن هو المقصود بهذا السلاح؟

لم يتبقَ غير الشعب الفلسطيني المغلوب على أمره ليستهدفه هذا السلاح، وهو ما دأبت عليه «حماس» منذ بدء الهدنة الأخيرة واتجاهها بكل قوةٍ وعنفٍ لمقاتلة الشعب الفلسطيني في غزة، من عوائل وتجمعاتٍ، وكذلك من أفرادٍ مدنيين عبّروا عن سخطهم على حركة «حماس» وعلى حماقاتها التي لا تنتهي بإحراق غزة لعيون محاور إقليمية في كل بضع سنين، منذ حكمت القطاع بالحديد والنار. التناقض «الحمساوي» تجاه ما جرى في غزة، هو تناقض احترفت فيه جماعات الإسلام السياسي وتنظيمات الإرهاب الديني ونظّرت له وبررته، بحيث يمكنها أن تقول إنها «انتصرت» في غزة، بينما تقول في سياق آخر إنها «انهزمت» وتقدم المبررات في الحالتين، وتسعى لإقناع أتباعها بالنتيجتين المتناقضتين، ولكن اللبيب الذي يفهم بالإشارة لا يكون لبيباً حين تكون الحقائق والأرقام والتصريحات والتصرفات أمامه بالصوت والصورة والكتابة والقرارات والبيانات، ثم يختار أن يغضّ الطرف عنها ولا يتعامل معها.

بعد السابع من أكتوبر 2023  التي ارتكبتها «حماس»، كان الواجب عليها، أن تعزل نفسها عن أي دورٍ في مستقبل غزة، وأن تُقدم اعتذاراً صريحاً وتاريخياً لشعب غزة المغلوب على أمره وتتوسّل منه صفحاً على كل الجرائم التي ارتكبت في حقه وباسمه، لكن شيئاً من هذا لم يحدث بعد، وتصرفات الحركة كلها تشي بأنها تسعى لأن تحتفظ بكل ما يمكنها من سلاحٍ «لا يهدد إسرائيل» لتوجهه إلى صدور الشعب الفلسطيني في غزة. وأخيراً، فلن يُنقذ الشعب الفلسطيني من «حماس» إلا الإصرار الأميركي والعربي على إكمال خطة الرئيس ترامب، ونزع سلاح «حماس» نهائياً ودون رجعة.

*كاتب سعودي