أقدمت الولايات المتحدة على اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو في الثالث من يناير الجاري، ومن كاراكاس نقلته إلى نيويورك لمحاكمته، وقالت السُّلطات الأميركية إن وزارة العدل طلبت المساعدةَ العسكريةَ لاعتقال مادورو، الذي وجّهت إليه هيئةُ مُحلّفين في نيويورك اتهاماتٍ تتعلق بالإرهاب والمخدرات والأسلحة. أي أن عملية الاعتقال العابرة للحدود هي إنفاذ للقانون والعدالة الأميركية، وليست استعراضاً للقوة. وتُعد الحالة الفنزويلية نموذجاً معاصراً لتعارض منطق القوة مع منطق القانون في العلاقات الدولية، فمن نزاع سياسي اقتصادي بين الولايات المتحدة وفنزويلا، تحوّل الموضوع إلى قضية تنعكس مباشرة على النظام القانوني الدولي.

وجاء استنكارُ بعض الدول لنقل مادورو إلى نيويورك باعتباره حالةً تؤسس لفوضى قانونية في النظام الدولي، حيث تمت إعادة تعريفَ قواعد سيادة الدول، وتحديد شرعية الرؤساء والحكومات خارج نطاق القانون الدولي المنظِّم لسلوك الدول، وخارج نطاق مجلس الأمن ومنظومة العقوبات الدولية.

وبدا مشهد اعتقال الرئيس الفنزويلي، كما لو أنه يؤسس لتساؤل جوهري مقلق: «مَن التالي؟»، وذلك في ظل نظام دولي اهتزت قواعده القائمة على مفاهيم السيادة وعدم التدخل، أي المبادئ التي تحكم المنظومةَ الدولية وتقنن سلوكَ الدول منذ عقود طويلة، وتؤطِّر حدودَ استخدام القوة خارج الحدود الوطنية لإنفاذ القانون.

اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو ليس سابقةً فريدةً في تاريخ الولايات المتحدة، وهذه ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها واشنطن إلى اعتقال قادة ورؤساء دول، لكن الفارق اليوم ليس في الفعل بحدّ ذاته، بل في السياق الذي جرت خلاله عملية نقل الرئيس الفنزويلي إلى نيويورك. واستنكار البعض لم يأتِ كموقف أخلاقي أو كدعم سياسي للرئيس الفنزويلي، بل هو تعبير عن مخاوف من إعادة كتابة القواعد الدولية المنظِّمة مِن طرف قوة عظمى وحيدة، مما قد يُدخل العالَم في حالة فوضى قانونية.

في ديسمبر 1989 قامت الولايات المتحدة بغزو بنما وأطاحت رئيسها مانويل نورييغا واعتقلته، موجهةً له اتهاماتٍ تتعلق بالفساد السياسي وغسل الأموال وتهريب المخدرات إلى الأراضي الأميركية. وأصدرت محكمة أميركية حكماً بسجن نورييغا 40 عاماً.

وفي مارس عام 2003، احتلت الولايات المتحدة العراق، واعتقلت الرئيس صدام حسين في ديسمبر من العام ذاته، وحوكم في بغداد ليُعدَم في 30 من ديسمبر 2006. وفي عام 2022، اعتُقل الرئيس الهندوراسي خوان أورلاندو هيرنانديز بطلب من السفارة الأميركية وحُوكم في الولايات المتحدة بتهم تسهيل استيراد نحو 400 طن من الكوكايين، وصدر بحقه حكم بالسجن 45 عاماً. إن كل تلك السوابق كانت في إطار حرب معلنة أو ضمن نتائج عمليات عسكرية جارية، أما اتخاذ قرار تنفيذي باختطاف ومحاكمة رئيس خارج حدود دولته، ومن دون صدور قرار أممي، فهنا تكمن خطورة التأسيس على سابقة كهذه في سياق العلاقات الدولية.

واليوم فتحت قضية اعتقال الرئيس الفنزويلي نقاشاتٍ قانونيةً حول الحصانة الدولية لرؤساء الدول، وحدود أو لا حدود استخدام القوة العابرة للحدود من دون تفويض دولي، على يد قوة عظمى، باعتباره «إنفاذاً للقانون» وليس عدواناً على سيادة دولة أخرى عضو في المجتمع الدولي، الأمر الذي يثير مخاوفَ مِن أن تصبح الحالة الفنزويلية نموذجاً قابلاً للاستنساخ في عالم تحكمه القوة. ولعل السؤال الأخطر هو: هل يمكن لقوة دولية عظمى أن تفرض نفسها كبديل عن القانون الدولي؟

*كاتبة إماراتية