ارتبط مفهوم القوة في الجغرافيا السياسية بوسائل الإكراه، سواء كانت صلبة أو ناعمة، عسكرية أو اقتصادية. وكانت القوة دائماً «عملة» الإمبراطوريات، وأداة للنمو والتوسع. وعلى امتداد التاريخ كان التوسع مرادفًا للقوة العسكرية؛ فقد توسعت الإمبراطوريات عبر ابتكار أنواع جديدة من الأسلحة؛ من علم المعادن الذي أوجد الأسلحة البرونزية، إلى الكيمياء التي أنتجت البارود، وصولاً إلى الفيزياء التي قادت إلى القنبلة الذرية.
لكنْ ماذا لو أصبح توسع النفوذ ممكناً من دون استخدام القوة؟ وماذا لو أصبح النمو قائماً على حاجة الآخرين لا على إكراههم؟
بحسب مفاهيم القوة الصرفة؛ فإن روسيا يجب أن تكون الخصم الأساسي للولايات المتحدة الأميركية، ولكنْ منذ عقد من الزمان رأت الولايات المتحدة أن الصين هي المنافس الاستراتيجي الطويل المدى لها، وليس روسيا، برغم أن الأخيرة تملك رؤوساً نووية يفوق عددها ما لدى الصين 14 مرة؛ ومساحة برية أكبر 1.78 مرة، ومساحة مائية تقارب ثلاثة أضعاف ما تملكه الصين، ونطاقًا جغرافيًّا يمتد عبر قارتين؛ فما الذي جعل الصين أكثر أهمية؟
قد يكون من السهل توصيف قوة الصين بمفهوم «الاقتصاد»، لكن ذلك -في الحقيقة- يُعزى إلى «أهميتها» بالنسبة إلى العالم؛ فعلى مستوى المنازل فقط، تُعد الصين بالغة الأهمية؛ إذ تنتج 56 في المئة من الأجهزة المنزلية عالميّاً، منها 90 في المئة من أجهزة التلفاز على مستوى العالم، و53 في المئة من الهواتف المحمولة؛ ولكنّ الأكثر أهمية أنها تنتج نحو 25 في المئة من إجمالي غذاء العالم.
إنه نموذج جديد من القوة؛ إذ تصبح «الأهمية للعالم» هي المعيار الحقيقي الجديد لقوة الدول، لا الحجم ولا القوة العسكرية؛ وهذا هو النموذج الذي تطبّقه دولة الإمارات العربية المتحدة عبر أجندتها للترابط العالمي؛ إذ لا تستند أهميتها للعالم إلى حجمها، بل إلى أدوارها في تلبية احتياجات الآخرين؛ فعلى سبيل المثال تُعد موانئ دبي العالمية أحد الأعمدة الأساسية لسلاسل الإمداد العالمية؛ ذلك أنها تتعامل مع 10 في المئة من حركة الحاويات في العالم. 
وعلى صعيد القطاع المالي، يحتل سوق دبي المالي المرتبة السادسة عشرة عالميّاً، متقدماً على أسواق، مثل زيورخ وبكين وطوكيو. أما في مجال الطيران، فإن المجال الجوي الإماراتي شهد مليون حركة جوية في عام 2024، وهو يتجاوز بقليل الحركة الجوية لجميع مطارات فرنسا التي تبلغ مساحتها نحو سبع مرات مساحة دولة الإمارات؛ إذ يستخدم المجال الجوي لدولة الإمارات أكثر من 190 خط طيران من 160 دولة؛ أي تحتاج إليها 82 في المئة من دول العالم.وبرغم ذلك، تُذكرنا الأحداث بين الحين والآخر أن المفاهيم الكلاسيكية للقوة ستسعى إلى إعادة فرض نفسها بناءً على معيار الحجم، أو الاستعداد لاستخدام القوة العسكرية؛ وهو ما يدفع إلى الواجهة مفاهيم، مثل الأمن الوطني، والخطوط الحمراء، واستخدام القوة العسكرية؛ برغم أن التشبث بأدوات القوة التقليدية يقلل من «أهمية» تلك الدول، ويحد من إمكانية توسيع نفوذها الإيجابي خارج حدود جغرافيتها.
ومع تصاعد أهمية الصين، وتقلص حدود استخدام روسيا للقوة؛ فإن ذلك سيدفع العالم إلى مراجعة أوسع لما تعنيه القوة العسكرية في مقابل الأهمية الاقتصادية.


محمد باهارون*
* المدير العام لمركز دبي لبحوث السياسات العامة.