في الذاكرة الجَمْعِية للشعوب ثوابت لا تنال منها عوادي الزمن، وفي وجدان الإماراتيين تحتل الكويت مساحة لا تحُدها حدود الجغرافيا، بل ترسمها ملامح الأخوّة الصادقة التي تجذَّرت قبل قيام الاتحاد، واستمرت معه نبضاً واحداً في جسد الخليج.
واليوم، وتجسيداً لهذا العمق الاستثنائي، وتنفيذاً لتوجيهات القيادة الرشيدة، تستعد إمارات الدولة السبع لإطلاق أسبوع الاحتفاء بالعلاقات الإماراتية - الكويتية تحت شعار «الإمارات والكويت.. إخوة للأبد»، في مشهد وطني يستحضر فجر النهضة المشتركة، ويؤكد أن ما يربط البلدين هو ميثاق وفاءٍ لا ينقض. هذا الميثاق صاغ ملامحه الأولى القائد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان -طيّب الله ثراه- حين قرأ في التجربة الكويتية منارةً للاسترشاد، مؤكدًا أن «الكويت دولة شقيقة سبقتنا في مسيرة التقدم والعمران، ومن ثمَّ، فإن من الطبيعي أن نستفيد من تجاربها»، وهي الرؤية التي وضعها الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم - رحمه الله - نُصْبَ عينيه، حين أعلن بوضوح أن «دولة الكويت هي الشقيقة دائماً، وشعبها إخوة لنا، هدفهم واحد، ومسيرتهم واحدة». هكذا أُسِّسَتِ العلاقة على قاعدة الاعتراف بالفضل، ووحدة الهدف، وهو ما يجسّده امتنانٌ تاريخي عبّر عنه الشيخ صقر بن محمد القاسمي - رحمه الله - باستذكار فضل الكويت التي كانت السبّاقة دائماً في الاهتمام بشؤون الإمارات، فافتتحت المدارس، وزوّدت المنطقة بالمعلمين، لترسم أولى خطوات النهضة المعرفية فيها.
ومن رحِم هذا التعاون التأسيسي نمت مكانة الكويت في قلوب أبناء الإمارات، وهي المكانة التي وصفها قائد التمكين، المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، بأنها نابعة من «وحدة قلوب أبناء المنطقة»، واصفاً إياها بقصة تعاون مثالية بدأت الأجيال كتابتها، ويُتِم فصولَها القادة الحاليون. وتتواصل هذه المسيرة اليوم تحت ظل قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة - حفظه الله - الذي يرى في العلاقة مع الكويت رابطة «أُخُوة ومحبة وقُربى»، فالكويت «كانت السند قبل الاتحاد وبعده، واليد التي امتدت لتعطي، وتساعد، وتساند، وما زالت وقفاتها معنا إلى اليوم وقفات صادقة».
وتكتمل ملامح هذا المشهد المتلاحم برؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي - رعاه الله - الذي يؤكد أن ما يجمع البلدين هو «أواصر لا تنفكّ، وأُخوّة لا يغيّرها الزمن، ومحبة لا تزيدها الأيام إلا رسوخاً»، وهي الروح التي يجسّدها سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، من خلال الحرص الدائم على مواصلة تعزيز هذه «الأخوّة التاريخية الراسخة».
وفي قلب هذا السياق يبرز البُعد الإنساني العميق في كلمات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، حين قال بامتنان: «إن الكويت قدّمت لي ولأبناء بلدي ما لم تقدّمه لأحد: العلم والصحة»، ليرسم لوحةً من الوفاء لسنوات التأسيس الأولى. إنّ هذه الثقة المتبادلة، التي يؤكد صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم رأس الخيمة، أنها ركيزة أرسى دعائمها الآباء المؤسسون، هي ذاتها التي تجعل من شعار «إخوة للأبد» حقيقةً معاشة، عبّر عنها بوضوح سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع، بقوله: «الكويت منا ونحن منها»، مؤكداً أن مجتمع الإمارات لا ينسى الوقفات التاريخية للأشقاء.
وتتوّج هذه الصورة برؤية استراتيجية عبّر عنها سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية، حين أكد أن الإمارات ترى في الكويت «شريكاً استراتيجيّاً في كل المجالات، وجزءاًَ أصيلاً من مسيرة التقدم والازدهار في الخليج العربي والمنطقة برمتها». وهكذا يدرك معي القارئ الكريم أن انطلاق أسبوع الاحتفاء بالعلاقات الإماراتية-الكويتية ليس مجرد حدث عابر، بل هو احتفاء بجذر واحد ومستقبل واحد، وتأكيد على أن الإمارات والكويت ستظلان، بفضل حكمة قيادتيهما، نموذجاً عالميّاً للأخوّة التي لا تنكسر، وسياجاً منيعاً يحمي منجزات المنطقة، في قصة وفاء وأخوّة ستظل ترويها الأجيال.
*مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.


