من السهل تبرير الارتياح العالمي الذي ساد بعد النجاح الظاهري في تهدئة أزمة جرينلاند. لكن، كما صرح رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، في دافوس بسويسرا، الأسبوع الماضي: «نحن في خِضمّ قطيعة في العلاقات».
وكان هذا صحيحاً حتى قبل أزمة غرينلاند، فلا يمكن لإطار عمل هشٍّ يحافظ على الوضع الراهن بشأن جرينلاند أن يمحو عاماً من المواقف الحرجة والمشاورات الدبلوماسية التي حدثت في اللحظات الأخيرة وأدت إلى تآكل علاقاتنا العالمية القيمة، وهي روابط لا يمكننا إعادة بنائها بالسهولة نفسها التي هدمها بها ترامب.
لكن علينا إعادة بناء تلك الروابط، إذ يجب على الأميركيين تفهُّم لماذا تكون أقوى دولة على وجه الأرض في أوج قوتها عندما يكون لديها العديد من الأصدقاء ذوي التوجهات المتشابهة.
وتبدأ القضية بتحديد ما يُخاطر به ترامب، دون أي مقابل. فقد هدّد حلفاءه بشأن جزيرة في القطب الشمالي أوضح سكانها أنها ليست للبيع نهائياً، وعاد خالي الوفاض.
ويزعم ترامب أن الحفاظ على صداقات أميركا ضمن نظام دولي واسع قائم على القواعد يُحمّل الولايات المتحدة عبئاً غير عادل. ومع ذلك، لطالما قدّم حلف الناتو، على مدى 76 عاماً، دعماً كبيراً لمُصنِّعي الأسلحة الأميركيين، بما يشمل شركات تصنيع طائرات (إف-35) المقاتلة، التي تستخدمها أو تخطط لاستخدامها نحو 15 دولة من دول حلف شمال الأطلسي (ناتو)، إلى جانب صواريخ باتريوت والطائرات المسيرة والمروحيات وأنظمة الرادار. وتستحوذ الدول الأوروبية على نحو 35% من صادرات الأسلحة الأميركية العالمية، ما يجعل أوروبا أكبر عميل إقليمي للمؤسسات العسكرية التجارية الأميركية.
وبينما تنفّست الأسواق الصعداء بعد مغادرة ترامب دافوس، حاملاً معه جائزة المشاركة المتمثلة في إطار عمل جرينلاند، علينا أن نتذكر سبب اضطراب الأسواق المالية الأسبوع الماضي. فأوروبا تُعتبر أكبر شريك تجاري واستثماري لأميركا، إذ يبلغ حجم التبادل التجاري السنوي نحو تريليوني دولار، والاستثمارات المتبادلة أكثر من 5 تريليونات دولار، وتوفر ملايين الوظائف على ضفتي المحيط الأطلسي. ويطرح ذلك تساؤلاً: أي شخص عاقل سيُقدم على لعبة جيوسياسية خطيرة تُنفِّر أكبر مستثمر أجنبي في بلادنا؟
وسوف يؤدي تدمير العلاقات التي طالما حظيت بالتقدير، والخلط بين الأصدقاء والأعداء والعكس، إلى عزلنا نحن، لا خصومنا. فبعد عام من إهانة ترامب لكندا وإعلانه نيتّه فرض رسوم جمركية باهظة عليها، أبرمت جارتنا الشمالية اتفاقية لفتح سوقها أمام السيارات الكهربائية الصينية، وهي اتفاقية من المرجّح أن تدرّ مليارات الدولارات على بكين، لا على ديترويت بالولايات المتحدة الأميركية.
وحتى لو لم تكن الدوافع الاقتصادية للحفاظ على علاقاتنا عبر الأطلسي مقنعة، فإن التاريخ يُظهر مدى خطورة العودة إلى نظام مناطق النفوذ الذي ساد في القرن الـ19. فقد أدت النزاعات الإقليمية بين القوى العظمى المتنافسة على الإمبراطورية إلى مقتل نحو 20 مليون شخص خلال الحرب العالمية الأولى. كما فُقدت أرواح أخرى تتراوح بين 60 و70 مليون شخص، أي ما يعادل 3% من سكان العالم، في الحرب العالمية الثانية.
ولم يحدث شيء مماثل منذ ذلك الحين، فالكراهية والتنافس والجشع والتطرف لم تختفِ. لكن مؤسسات وتحالفات ما بعد الحرب، بقيادة الولايات المتحدة الملتزمة بنظام دولي تعاوني، كبحت جماح تلك النزعات الخبيثة. لقد أقامت أميركا أعظم نظام تأمين للأمن القومي في تاريخ البشرية.

وتحتاج أميركا إلى العلاقات الدولية لمعالجة العديد من القضايا العالمية الكبرى، فالذكاء الاصطناعي يحمل إمكانات هائلة، لكنه يحتاج إلى ضوابط دولية، حتى لا يستخدمه مختلون لأغراض خبيثة. ولا تستطيع الدول منفردةً معالجة تحديات مثل الأمراض، وتغيُّر المناخ، وأمن الطاقة، وسلاسل توريد المعادن الحيوية، وتدفقات الهجرة.
وقد بذل رؤساء «جمهوريون» و«ديمقراطيون» على مدى عقود ما بعد الحرب العالمية الثانية جهوداً حثيثة للتخلص من صورة القوة الإمبريالية. أما اليوم، فتُرسل أميركا رسائل توحي بالسعي إلى إمبراطورية في القرن الـ21 تمتد من جرينلاند إلى أميركا الجنوبية.وكان الرؤساء السابقون على صواب. ويجب على أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، بل وجميع القادة الذين يُقدِّرون أهمية التحالفات والسلام، ألا يتجاهلوا دروس أزمة جرينلاند. وعلينا أن ندافع عن عالم يحتاج إلى تجديد التعددية. وإلا، فسنقبل تلقائياً عالماً يمضي فيه أصدقاؤنا قُدماً بأفضل ما يُمكنهم دوننا. إن انعزال أميركا لن يمكّنها من أن تحقق شعار «أميركا أولاً».
*وزير الخارجية الأميركي من عام 2013 حتى عام 2017.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»