ليست دولة الإمارات العربية المتحدة مجرد تجربة سياسية ناجحة، بل مشروع وطني تأسّس على منظومة قيمية راسخة، في مقدمتها الوفاء، والولاء، واحترام الإنسان، وصون الكرامة، ووحدة الصف. هذه القيم لم تكن شعارات عابرة، بل نهج حكم غرسه الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، وتحول مع الزمن إلى ثقافة دولة وهوية مجتمع.منذ البدايات الأولى للاتحاد، أدرك المغفور له الشيخ زايد أن بناء الدولة لا يبدأ بالمباني ولا بالأنظمة، بل بالإنسان. فغرس في وجدان المجتمع الإماراتي قيمة الوفاء: وفاء للأرض، ووفاء للقيادة، ووفاء للتاريخ، ووفاء لبعضنا البعض. ولذلك لم يكن الاتحاد فعل سياسة فقط، بل فعل أخلاق، جمع الناس على الثقة قبل القوانين، وعلى المحبة قبل المصالح، وعلى المسؤولية قبل المطالب.
نظام الحكم في الإمارات نشأ من هذا الفهم العميق. لم يُفرض على المجتمع، ولم يصطدم به، بل خرج من داخله. العلاقة بين القيادة والشعب لم تُبنَ على الخوف أو الإكراه، بل على القرب، والصدق، وتحمل المسؤولية. هذا ما صنع شرعية راسخة لا تهتز، وثقة متبادلة صمدت أمام التحديات والتحولات، وجعلت الاستقرار نتيجة طبيعية لا حالة استثنائية.
في هذا السياق، جاء دور القبيلة بوصفها أحد روافد الاستقرار لا عائقاً أمام الدولة. الشيخ زايد لم يرَ في القبيلة تهديداً للمشروع الوطني، بل رآها مخزون قيم، ومصدر تماسك، وجذراً أصيلاً في الهوية الإماراتية. فاحتضنها، وكرّمها، وأعاد توجيه دورها من العصبية الضيقة إلى الانتماء الوطني الواسع. هكذا تحولت القبيلة من إطار ولاء جزئي إلى جزء أصيل من الدولة، دون أن تفقد قيمها أو مكانتها.
هذا التوازن الفريد بين الأصالة والدولة الحديثة تجلّى بوضوح في أحد المشاهد الوطنية العميقة خلال احتفالات اليوم الوطني، حين شاركت نحو 150 قبيلة إماراتية في مسيرة وطنية، حملت كل قبيلة لافتة باسمها، في مشهد يعكس الاعتزاز بالجذور والتاريخ. غير أن الرسالة الأبلغ جاءت مع اللافتة الأخيرة التي حملت اسم «قبيلة الإمارات»، تلك اللحظة لم تكن تفصيلاً احتفالياً، بل إعلاناً صريحاً لمعنى الوفاء: وفاء للاتحاد، وولاء للقيادة، وانتماء لوطن جمع الجميع تحت راية واحدة.
هذا المشهد يختصر فلسفة الدولة الإماراتية. فالهويات محفوظة ومقدّرة، لكن الوطن هو الجامع. القبيلة محترمة، لكن الإمارات هي الانتماء الأعلى. والولاء ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، بل ممارسة يومية تتجلى في وحدة الصف، والالتفاف حول القيادة، وتقديم المصلحة الوطنية على كل اعتبار.
القيم التي غرسها زايد لم تتوقف عند جيله، بل استمرت نهجاً ثابتاً في مسيرة الدولة، تُترجمها القيادة الرشيدة اليوم في سياسات متوازنة تجمع بين الحزم والإنسانية، وبين بناء المستقبل وصون الثوابت. لذلك بقيت الإمارات واحة استقرار في محيط مضطرب، ونموذجاً لدولة عرفت كيف تحمي هويتها وهي تنفتح على العالم بثقة.
خلاصة القول إن قوة الإمارات لم تكن يوماً في مواردها وحدها، بل في قيمها. والوفاء الذي غرسه زايد لم يكن قيمة عاطفية، بل أساساً للحكم، وركيزة للوحدة، وسراً من أسرار نجاح الدولة. فبهذه القيم تُبنى الدول وتدوم، وبدونها تسقط مهما امتلكت من ثروات. وما «قبيلة الإمارات» إلا التعبير الأصدق عن وطن تجاوز الأسماء، ليصنع هوية جامعة عنوانها: الاتحاد، والولاء، والوفاء.
*لواء ركن طيار متقاعد.


