تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة جهودها لترسيخ مكانتها نموذجاً إقليمياً في صون الكرامة الإنسانية وتعزيز الحقوق والحريات العامة، من خلال تطوير المؤسسات الوطنية المتخصصة، ورفع كفاءة الكوادر، وتفعيل برامج التوعية المجتمعية، مع الالتزام بالممارسات الدولية والاتفاقيات المعنية لضمان مجتمع يحترم الحقوق ويعزّز العدالة والمساواة والتسامح.

ويجسّد قرار صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بإعادة تشكيل مجلس أمناء «الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان»، هذا النهج المؤسسي القائم على بناء القدرات النوعية وتعزيز الكفاءات وتطوير الأداء وتحديثه، بما ينسجم مع رؤية القيادة لمستقبل الدولة المستدام والمتطور والمزدهر للأجيال القادمة.
وفي الواقع، فإنه ومنذ تأسيسها في الثاني من ديسمبر 1971، تبنّت دولة الإمارات رؤية شاملة جعلت الإنسان محور التنمية وغايتها الأساسية، حيث لم يُنظر إلى حقوق الإنسان باعتبارها شعارات نظرية، بل كمنظومة متكاملة من السياسات والتشريعات والممارسات العملية.

وقد انعكس ذلك في مسيرة متواصلة من الإصلاحات القانونية والمؤسسية التي طالت مختلف القطاعات، بما في ذلك العمل، والعدالة، والتعليم، والصحة، وحماية الفئات الأكثر احتياجاً، وتمكين المرأة، ورعاية الطفل، وضمان حقوق أصحاب الهمم.
في هذا الإطار، جاء إنشاء «الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان» ليترجم التزام الدولة بتعزيز البنية المؤسسية المعنية بالحقوق والحريات، وفق أفضل الممارسات الدولية، وقد اضطلعت الهيئة بدور مهم في نشر الثقافة الحقوقية، ورصد الملاحظات والتحديات، وتقديم التوصيات، إضافة إلى تعزيز قنوات التواصل مع الجهات الحكومية والمجتمع المدني، بما يرسّخ الشراكة في حماية حقوق الإنسان وتعزيزها.
والحاصل أن إعادة تشكيل مجلس أمناء الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان ليس مجرد إجراء إداري أو بروتوكولي، بل رسالة واضحة مفادها أن الإمارات تتبنّى نهج «التقييم والتطوير المستمر» في كل ما يتصل بحماية الحقوق والحريات، وعلى النحو الذي يواكب التطورات الاجتماعية والاقتصادية والعالمية.
ولا تنفصل هذه الخطوة عن سلسلة من الإصلاحات التشريعية التي شهدتها دولة الإمارات خلال السنوات الأخيرة، والتي شملت تحديث قوانين العمل، وتعزيز الضمانات القانونية، وتطوير تشريعات مكافحة التمييز والكراهية، فضلاً عن إطلاق استراتيجيات وطنية تعزّز قيم التسامح والتعايش والتنوع الثقافي، وهو ما يؤكد أن تطوير منظومة حقوق الإنسان في الإمارات ليس استجابة ظرفية، بل هو نهج مؤسسي قائم على المراجعة الدورية والتقييم المستمر.
ولعله من المهم التأكيد في هذا السياق على أن من الخصائص المميزة للنموذج الإماراتي في حقوق الإنسان، هي قدرته على المواءمة بين القيم الأصيلة للمجتمع والمبادئ العالمية التي نصّت عليها الاتفاقيات الدولية. فالدولة تنطلق من رؤية تؤمن بأن الحقوق لا تنفصل عن الواجبات، وأن التنمية المستدامة لا تنفصل عن قيم التسامح والتعايش واحترام التنوع الثقافي والديني.
ومن هذا المنطلق، نجحت الإمارات في تأسيس مجتمع متنوع يضم أكثر من 200 جنسية، يعيش أفراده في بيئة يسودها الأمن والاحترام المتبادل. وتُشكّل هذه التجربة شاهداً عملياً على نجاح منظومة القوانين والسياسات، التي تكفل العدالة والمساواة للجميع، مهما كانت جنسياتهم أو ثقافاتهم أو معتقداتهم.
يؤكد التطوير المستمر لمنظومة حقوق الإنسان في الإمارات، أنها تنظر إلى هذه الحقوق كعملية ديناميكية قابلة للتقييم والمراجعة والتحسين، وليست إطاراً جامداً. فالتحديات العالمية المتجددة، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو تكنولوجية، تفرض على الدول كلها تطوير أدواتها الحقوقية، وهو ما تدركه الإمارات وتسعى إلى الاستجابة له عبر مؤسسات فاعلة وقرارات استباقية.
يمثّل قرار إعادة تشكيل مجلس أمناء «الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان»، نقطة انطلاق جديدة نحو مرحلة أكثر تطوراً في مسار العمل الحقوقي الوطني.

فمن خلال تفعيل آليات الرقابة والمتابعة، وتعزيز التواصل مع المجتمع الدولي، تعمل الدولة على ضمان تنفيذ أعلى معايير العدالة والكرامة الإنسانية، على نحو يرسّخ صورتها كدولة القانون والمؤسسات، وحماية الإنسان وتمكينه من الإسهام والإبداع ضمن بيئة تحكمها العدالة والمساواة، وتستند إلى رؤية متكاملة تضع الإنسان في مقدمة أولويات مسيرة التنمية المستدامة.

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.