يوم الخميس التاسع عشر من فبراير ربما يصبح يوماً تاريخياً كما يقال. فهو اليوم الذي جمع فيه الرئيس دونالد ترامب من حوله قادة العالم لإنشاء مجلس مهمته إعادة إعمار غزة ونشر الأمن والسلام في ربوعها. وهذا مسارٌ جديدٌ لبناء استقرارٍ وسِلْمٍ ما كان الرئيس ترامب نفسه قد فكّر فيه قبل عامٍ ونيف. مجلس السلام هو مجلس الإشراف على الخطة كلها، وتأتي تحته لجنة إدارة غزة التي من المفروض أن تعمل على الأرض في الشؤون الحياتية كافة، تعاونها عدة آلاف من رجال الشرطة الفلسطينيين المدرَّبين في مصر والأردن. 
تكلفة السلام التي وضعها الرئيس ترامب هائلة بعد تلك الحرب الضروس. ولا أقصد التكلفة المادية البالغة عشرات المليارات من الدولارات وحسْب، بل أقصد الشروط والظروف المحيطة من قبل جلاء الإسرائيليين عن غزة ومن بعده. فوقف إطلاق النار لم يثبت بعد، وقد مات مئاتٌ بعد وقف إطلاق النار بالضربات الإسرائيلية. ولا يزال الغذاء والدواء قليلين، كما أن المستشفيات لا تعمل بالطبع بكامل طاقاتها. وغير مسموح حتى بمغادرة غزة بحرية، فكيف بالعودة إليها! 
ورغم أن الخط الأصفر يميز مناطق الانتشار الإسرائيلي فإن كثيرين قُتلوا داخل الخط الأصفر. والأفظع عدم معرفة المستقبل سواء لجهة الإعمار، أو لجهة نزع سلاح «حماس» التي ترفض نزعه حتى الآن وتهدد إسرائيل بعودة الحرب كما يحصل مع لبنان! ورغم الخطة العربية الواضحة بشأن استعادة الصلة بين القطاع والضفة وحلّ الدولتين، فإنّ الإسرائيليين يريدون الآن احتلال الضفة والاستيلاء التدريجي على الأقصى!ما الذي أوصلنا فلسطينيين وعرباً إلى هذا الوضع؟
    اتفاقية أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير (1993) والتي ظلّت تحيا وتموت حتى العام 2005(وفاة عرفات) كانت اتفاقاً بين طرفين ولها حدود ومديات وأهداف وهي اتفاقية دولية. ما الذي أوقف الاتفاقية أو أفشلها؟ لذلك علتان: التراجع الإسرائيلي في ظل حكومات اليمين- والانقسام داخل الصف الفلسطيني وانفصال «حماس» بغزة بعد أن انسحبت منها إسرائيل! الانفصال كانت له ردات فعل مختلفة لدى العرب وإسرائيل. استمات العرب في تطلب المصالحة بين «فتح» و«حماس» دونما فائدة. بينما استراحت إسرائيل وأقامت علاقات مع «حماس» رغم الانتكاسات العسكرية. ووصل الأمر إلى أنّ إسرائيل كانت لا تُعارض في وصول مساعدات لحماس من خارج القطاع(!).
    بالانفصال بغزة وقع القطاع في أيدي الإسلامويين ذوي الأحلام العقدية، والبراغماتية السلوكية. في العقيدة قتالٌ إلى الأبد، وفي الواقع تعاوُنٌ مع العدو حتى في الضفة! وبذلك فقد العرب الزمام ومضى الإسلامويون باتجاه إيران وتركيا. وما انتهت بذلك أوسلو فقط (صارت إسرائيل تقول ليس لنا شريك في مفاوضات السلام فمنظمة التحرير لا تمثل الفلسطينيين!)، بل ضعُف الاقتناع لدى العالم بإمكان حلٍ عادلٍ للقضية الفلسطينية!
    يزعم كثيرون أن حرب «طوفان الأقصى» كانت مفيدة كدعاية لاستعادة وهج القضية في المجال العربي والعالمي(!). وهو وهجٌ خمد بسرعة، بدليل اللهفة التي تدفعنا جميعاً لتأييد خطة الرئيس الأميركي.
 الوهج ليس ثمنه ثمانين ألف قتيل وخراب القطاع فقط، بل ثمنُهُ أيضاً وأيضاً تضاؤل السلطة الفلسطينية حتى في الضفة، وتخريب إسرائيل للقطاع ويكون على الدول العربية إعادة الإعمار مع أن الإدارة تظل بيد غيرهم!
    خطة الرئيس الأميركي كبيرة وذات طموح وقد تنجح بالدعم العربي، وجدية الجماعة الدولية. بيد أنّ أهم أجزائها الخلاص من سلاح «حماس» وسيطرتها على غزة. لأنّ تلك هي الطريقة الوحيدة لاستعادة مسار ومصير القضية الفلسطينية.
*أستاذ الدراسات الإسلامية- جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.