في أول ردّ فعل إيراني على الهجمات الأميركية الإسرائيلية، بادر النظام الإيراني إلى استهداف منشآت حيوية في دول الجوار الخليجي، ومنها دولة الإمارات، وهو أمر يدرك النظام الإيراني جيداً أنه يمثل انتهاكاً للقانون الدولي ومبدأ «السيادة» الذي يُعدّ ركيزة أساسية ضمن أسس العلاقات الدولية، بل هو خرق فاضح لتعهدات طالما تشدّق بها النظام الإيراني نفسه على مر العقود، وأبرزها «حسن الجوار»، إذ لا يكف قادة النظام عن الإعراب عن رغبتهم في ممارسة هذه السياسة مع الآخرين، في حين سقطت الأقنعة مع أول اختبار جادّ للنوايا.
والأغرب مما سبق أن يستهدف النظام الإيراني أراضي الإمارات ضارباً عرض الحائط بكل مواقف الإمارات الداعمة بثبات وقوة ووضوح للتسوية الدبلوماسية للأزمة المزمنة التي يعانيها الإقليم من جراء تداعيات البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، فلطالما طالبت دولة الإمارات بالتركيز على الحوار ومنحه أولوية مطلقة، باعتباره الحل المستدام للأزمة مع إيران، والبحث عن حلول سياسية ودبلوماسية تتفادى تقويض الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن المنطقة لا تحتمل المزيد من الصراعات، وأن التوصل إلى اتفاق نووي «طويل الأمد وشامل» هو الضرورة القصوى لتجنب ويلات الحروب، وأن التنمية والسلام لا يمكن أن يتحققا سوى من خلال بيئة إقليمية آمنة.
فوق ما سبق، أكدت الإمارات مسبقاً بوضوح وشفافية أنها لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها أو مياهها الإقليمية لشنّ أي هجمات ضد إيران، وشددت على التزامها بعدم تقديم دعم لوجستي لأي عمل عسكري يستهدف الجار الإيراني الذي لم يأخذ كل ذلك بالاعتبار، ولجأ إلى انتهاك سيادة الدولة على أراضيها في ردّ فعل يفتقر إلى أبجديات التفكير الاستراتيجي السليم، ناهيك عن حسابات المصالح التي غابت تماماً في التعامل الإيراني مع الضربة الأميركية الإسرائيلية التي يفترض أنها لم تكن مفاجئة لقادة النظام، الذين أكدوا في تصريحاتهم الاستباقية استعدادهم التام للتعامل معها!
يبدو أن النظام الإيراني كان يصدّق أكاذيبه، وتخيل أن دول الجوار غير قادرة على التعامل مع أي تهديد خارجي، وأن بإمكانه إحداث دمار في هذه الدول، ولكن الحقيقة الكاشفة التي رآها العالم أجمع هي أن دولة الإمارات تحصد ثمار استثمارها في تطوير قدراتها الدفاعية منذ قيام دولة الاتحاد، فقد تجسدت في كل مخرجات التقارير العسكرية الدولية التي تشهد للقوات المسلحة الإماراتية بالكفاءة والاقتدار، ناهيك عن المشاركة الفاعلة لهذه القوات في عمليات عسكرية خارجية عدة، وقيامها بأدوار مشهودة في عمليات حفظ السلام تحت راية الأمم المتحدة، حيث استطاعت الدفاعات الجوية الإماراتية أن تتعامل حتى كتابة هذه السطور مع 165 صاروخاً باليستيّاً و541 طائرة مسيرة أطلقتها إيران منذ بدء الهجوم باتجاه أراضي الدولة، لتعكس مستوى فائقاً من الجاهزية العملياتية والفاعلية القتالية والقدرة على الذود عن أراضي الوطن وحمايتها ضد أي اعتداء خارجي إجرامي، ولاسيما أن معدل الكفاءة القتالية في التصدي للهجمات الإيرانية كان قياسيّاً بكل المعايير، حيث تم اعتراض 152 صاروخاً، فيما سقط 13 في عرض البحر، وتدمير 506 مسيرات، فيما سقطت 35 داخل أراضي ومياه الدولة وأصابت أهدافاً مدنية ما تسبب في بعض الأضرار، وهي إحصاءات تعكس مدى جاهزية وكفاءة وقدرات القوات الجوية التي تمتلك قدرات تشهد بها المعاهد العسكرية المتخصصة على مستوى العالم، وكذلك تطور أنظمة الدفاع الجوي، التي تعد واحدة من أكفأ أنظمة الدفاع الجوي في المنطقة والعالم.
ما يبعث على الفخر والاطمئنان في آن معاً أن الاستجابة الإماراتية جاءت في غاية الكفاءة من جانب وزارة الدفاع وأيضاً أجهزة الأمن الداخلي، حيث تعاملت هيئة الطوارئ والأزمات ووزارة الداخلية مع تبعات الأزمة بشكل سريع وفاعل وحضاري، ونجحت في بث الإحساس بالأمان في قلوب جميع السكان الذين اعتادوا العيش في واحة من الاستقرار الأمني والاجتماعي والاقتصادي.
هذه الفاعلية في التعامل مع أزمة بهذا الحجم والتأثير والتوقيت، تؤكد الجاهزية الكاملة ودقة التخطيط الاستراتيجي الاستباقي للتصدي للتهديدات، حيث تحركت جميع الأجهزة والجهات المختصة في إطار منظومات عمل دقيقة وبشكل متناغم وبإمكانات وقدرات عالية للغاية لتتخذ جميع التدابير اللازمة لضمان أمن وسلامة جميع السكان، وصون الأمن والاستقرار وحماية المصالح والمقدرات الوطنية.
*الرئيس التنفيذي- مركز تريندز للبحوث والاستشارات.


