الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد الجمهورية الإسلامية في إيران هي حربٌ شرسةٌ واستخدمت فيها أعتى الأسلحة التقليدية، وواضحٌ أن ثمةً طرفاً يزداد قوةً بعد كل يومٍ من الحرب وطرفاً يزداد خسارةً كل يومٍ، والخاسرون مثل المؤدلجين يرتكبون الحماقات في السياسة على المدى الطويل، ويتبنون الغباء المحض في القرارات العسكرية أثناء الحروب.
منذ عقودٍ وسنواتٍ طوالٍ، ومنذ بضعة أشهرٍ كان العداء يتصاعد والهجمات تتكرر بين أميركا وإسرائيل من جهةٍ وبين إيران من جهةٍ أخرى، وقد سعت دول الخليج العربي جميعاً لتجنّب هذه الحرب بناء على حساباتٍ سياسيةٍ مختلفةٍ، ولكنها جميعاً سعت لمنع هذه الحرب الكبرى في المنطقة، ولكنها حين وقعت لم يتجه الرد الإيراني إلى أميركا أو إلى حاملات طائراتها وبوارجها في بحر العرب والمنطقة، ولا إلى إسرائيل ودولتها وقواعدها العسكرية، بل انصب اعتداؤها العسكري وصواريخها الباليستية ومسيراتها المتفجرة إلى دول الجوار العربية في الخليج العربي، وهذه مفارقةٌ تستحق التأمل والنظر.
القواعد الأميركية المجاورة لإيران ليست موجودةً في منطقة الخليج العربي وحدها، بل هي موجودة في العديد من الدول المجاورة لإيران، في تركيا وإسرائيل وفي آسيا الوسطى وفي غيرها من الدول، ولكنّ الاتجاه لمهاجمة الدول الخليجية دليلٌ قاطعٌ على أن العداء الأيديولوجي الذي مثله «الإسلام السياسي» في شقه الشيعي ظلّ على مدى عقودٍ من الزمن متوجهاً لدول الخليج والدول العربية، لا للشعارات التي كانت ترفع من أن العداء هو لأميركا وإسرائيل.
جماعة «الإخوان» أصدرت بياناً شديد اللهجة في «إدانة العدوان الأميركي الإسرائيلي تجاه إيران»، وهذا مفهومٌ من منظور نهج الجماعة، لكنها صمتت صمت القبور على الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج والأردن، وهي هجماتٌ لم تستثنِ دولةً من دول الخليج دون غيرها، فهي اعتدت على السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت والأردن، وأكثر من هذا اعتدت على سلطنة عُمان الدولة الوسيطة في المفاوضات منذ سنواتٍ طويلةٍ.
دون التطرق لتفاصيل الصراعات في الشرق الأوسط في خمسين سنةً ماضيةً، وربطها بالنزاعات الدولية والتقلبات العالمية، فإن الثابت الوحيد كان هو العداء المستحكم من بعض الدول العربية وبعض الدول الإقليمية، التي قادت محاور سياسيةٍ معاديةٍ للدول العربية سواء كانت محاور طائفيةٍ أم أصوليةٍ.
هذه لحظةٌ تاريخيةٌ حقيقيةٌ، يتم فيها إعادة رسم الخرائط وتوازنات القوى في المنطقة بأسرها، ويعاد ترتيب الشرق الأوسط بشكلٍ جديدٍ كلياً وغير مسبوقٍ في التاريخ القريب، ومن هنا فهي تستحق إعطاءها قدرها من الاهتمام والمسؤولية في النظر والتحليل والنتائج والسيناريوهات المحتملة.
كفى عبثاً، لقد مرّت المنطقة بأزماتٍ كبرى في العقود الماضية، وكانت نسبةٌ كبيرةٌ منها تنصب على طروحات بعض المثقفين المؤدلجين، فشل «اليسار» وفشل «القوميون» و«البعثيون»، وفشل على أثرهم كل محللي «الإسلام السياسي»، ثم خرجت فئةٌ عربيةٌ من المثقفين لا يمكن تعريفها بشيءٍ غير التقلّب والارتزاق.
هذه الفئة الخطيرة، تفسد وعي الشعوب، وتسعى إلى تشتيت المواقف السياسية الثابتة، ولكنها في الوقت نفسه تسعى إلى الارتزاق في دول الخليج العربي، فهي تعيش في خيرات دول الخليج ثم إذا تمّت الاعتداءات عليها من إيران اصطفت مع إيران بكل مقالاتها وأفكارها وكلماتها، وهؤلاء صفٌ خامسٌ ولهم سوابق معروفةٌ، وترك الحبل على الغارب لهم في مثل هذه الأزمات الخطيرة والحروب الفاصلة لا يمكن أن يرسل أي رسائل وعيٍ أو تمحيصٍ أو تفكيرٍ.
أخيراً، فبعض هؤلاء المثقفين هم مثقفون عرب لا علاقة لهم بدول الخليج ولا بأمنها الإقليمي، فهم لم ينتبهوا من قبل ولا من بعد للمخاطر المحدقة بدول الخليج، وبالتالي فهم يجترون مخاوفهم الوطنية في بلدانهم وهم مستمرون على ما ورثوه من الجيل السابق لهم من أولويات السياسة وآليات التعامل مع الحروب، ومهما درسوا في الغرب وتخرجوا في جامعاته، فهم لا يعدون أن يكونوا تلاميذ صغار لخطاباتٍ متخلفةٍ أكل الدهر عليها وشرب.
*كاتب سعودي


