تطرّقتُ في المقالة الماضية لتعريفات الفيلسوف الأميركي هارفي كلافلن مانسفيلد، وهنا أُعرّج على المزيد من تعليقاته وانتقاداته، فهو يصرّ مثلاً على أن الفلسفة السياسية تتيح جواً من التفكير السياسي، وليس مجموعةً من المبادئ يستخلص منها المرء السياسات بسهولة، إن السياسات نوعية جداً بالنسبة إلى الموقف. كما ينتقد الديمقراطية ويدعو للاحتمالات البديلة، لكن حتى ظهور البديل لا مناص منها. لكنه لا يَعُدها أفضل تنظيم سياسي على الإطلاق، ولكن على المرء أن يحتفظ في ذهنه الخاص بالولاء لأفضل نظام. ثم يختلف مع حتمية فرنسيس فوكوياما الهيغلية، التي استعارها من كوجيف حول التطوّر المجتمعي المتحرّك بلا هوادة، لأن حتمية فوكوياما منقوضة بالاتجاهات التي حدثت بالفعل وبالإمكانات الموجودة حالياً.

لا بديل عملياً عن الديمقراطية، حتى الأصولية الإسلامية ليست بديلاً عملياً لأنها تفقد منطلقاتها بسرعة كبيرة، ولأنها تعتمد على العلوم والاقتصاديات الغربية، فهذه التبعية تؤثّر عليها بالضرورة. أوضح تيارين ناصبا الديمقراطية بالعداء هما التيار الشيوعي، الذي يرى أن الديمقراطية الليبرالية «أنانية للغاية وغير مكترثة بجميع الناس»، بينما الفاشية تعيب على الديمقراطية الليبرالية أنها لا تحقق تمام الطبيعة البشرية ولا كمالها، لكنها من الناحية العملية قد يتحوّل الأفضل في الديمقراطية الليبرالية إلى أسوأ، كما حدث مع الشيوعية والفاشية، ولكن يضيف مانسفيلد: «الناس كثيراً ما تُغريهم المحاولة».

وفي عام 1978 طرح مانسفيلد كتابه «روح الليبرالية»، وكانت مهمة كتابه تقديم نفسه كصديقٍ لليبرالية، ولكن من النوع الذي يُخضعها ومناصريها للنقد، مما جعلهم ينفرون منه وينقضّون عليه. هذا الكتاب هو نقطة انطلاق مانسفيلد نحو «النزعة المحافظة الصريحة»، لكن ما مهمته الفلسفية كفيلسوف ليبرالي محافظ؟!

يجيب: «أعتقد أن على المرء أن يحدّد المهمة الرئيسية للنزعة المحافظة اليوم، في أنها تكمن في محاولة جعل الليبرالية تلتزم بمبادئها الخاصة، وذلك في نواحٍ عدة، في علم الاقتصاد تلتزم بالسوق والملكية الخاصة، في الثقافة تلتزم بالمعايير العليا للجامعات، في القانون الدستوري تلتزم بحقوق الدستور وبالمؤسسات التي أنشأها». مانسفيلد سينتقد زميله في جامعة هارفارد الفيلسوف جون راولز، الذي لديه إسهامات كبيرة في مسألة العدالة الاجتماعية والحقوق الأساسية المتساوية وتكافؤ الفرص والمصالح العامة لأفراد المجتمع الأقل حظاً.

مانسفيلد كتب عن راولز مقالاً ونشره في كتابه آنف الذكر، يَعُدّه ممن حاول جعل ليبراليته تتلاءم مع كلا الاتجاهين، إذ يفضّل إيمانويل كانط على جون لوك، لأن كانط لديه سمو أخلاقي معيّن، ولا يؤسس حجته على الحفاظ على الملكية، وينتقد راولز بأنه لا يعلّق على التدابير السياسية والأخلاقية التي اقترحها كانط في كتابه «ميتافيزيقا الأخلاق». صحيح أن راولز دعا إلى مستوى من إعادة التوزيع، غير أن هذا يُعَد مستوى من الأخلاقية وفي ذلك تطلّع إلى الحفاظ على الجماعة.الخلاصة، أن مسألة النزعة المحافظة لم يطرحها مانسفيلد كنقيضٍ لليبرالية، ولا بوصفها حليفة التقليد ورهينة الماضي، بل المحافظة يمكنها أن تؤسس لانتقادات حيويّة ربما تسهم في إعادة الليبرالية لجاذبيتها الأصليّة.

*كاتب سعودي