ليس أشدّ خطراً على الوعي العربي من لحظةٍ يُعاد فيها تعريف التهديد ببلاغة الشعار، ولا أكثر إرباكاً من زمنٍ تُستباح فيه الدولُ باسم قضيةٍ يُراد لها أن تكون فوق كل مساءلة. ففي هذا المنعطف، لم يعُد السؤال: مَن معنا ومَن علينا؟ بل: مَن يحفظ شرط الدولة، ومَن يقوّضه تحت لافتاتٍ عابرة للحدود؟ هنا يتكشّف المشروع الإيراني في صورته الأشدّ صراحة: مشروعُ ولايةٍ يتجاوز الجغرافيا، ويحوّل الانتماءَ إلى ولاءٍ خارج إطار الدولة، ويعيد تركيبَ المجال العربي عبر شبكاتٍ تتغذّى من الانقسام وتستثمر في هشاشته.
لقد انطلق هذا المسار مع الثورة الخمينية عام 1979، لا بوصفها حدثاً داخلياً، بل باعتبارها إعلاناً عن وظيفةٍ تتجاوز الحدود: «تصدير الثورة»، وتوسيع مجال النفوذ عبر أدواتٍ مركّبة، تتراوح بين الدعم العسكري غير النظامي، وبناء الولاءات المذهبية، واختراق البنى الاجتماعية والسياسية.
ومنذ ذلك الحين، لم تتوقّف محاولاتُ زعزعة الاستقرار في الفضاء العربي، بدءاً بالبحرين عام 1981، مروراً بتفجيرات الكويت عام 1983، ثم محاولة اغتيال أميرها عام 1985، وصولاً إلى أنماطٍ أكثر تعقيداً في إدارة الصراع تقوم على «الإنهاك المستمر» بدل المواجهة الشاملة. ومع تحوّلات العقدين الأخيرين، تمدّد هذا المشروع من الأطراف إلى القلب، ففي العراق بعد عام 2003، أُعيد تشكيل المجال السياسي بما يسمح بترسيخ نفوذٍ عابرٍ للمؤسسات. وفي سوريا بعد عام 2011 جرى تثبيت الحضور عبر معادلة البقاء مقابل الارتهان.
وفي لبنان ترسّخ نموذج «الدولة داخل الدولة». أما في اليمن فتشكّل واقعٌ موازٍ عبر جماعة «الحوثي»، بما جعل الخاصرة الجنوبية للخليج في تماسّ دائم مع التهديد. ولم يقف الامتدادُ عند المشرق، بل امتدّ إلى تخوم المغرب العربي، حيث ظهرت تقاطعات مع جبهة «البوليساريو»، بما يكشف قابليةَ هذا المشروع لتوظيف النزاعات الإقليمية ضمن رؤيةٍ أشمل لإعادة توزيع النفوذ. غير أنّ الأخطر من جغرافيا التمدّد هو منطقه: تحويلُ الدول إلى كيانات قابلة للاختراق، واستبدالها بشبكاتٍ ولائيةٍ لا تخضع لمحاسبةٍ وطنية.
وهنا يبرز التناقض الذي يفرض نفسَه على العقل قبل السياسة: كيف لدولةٍ تقوم على نظرية «ولاية الفقيه»، وتُعرِّف نفسَها بوصفها حارساً لعقيدةٍ مخصوصة، أن تتحوّل في الوقت نفسه إلى ملاذٍ لقياداتٍ من تنظيم تنظيم «القاعدة»، مثل سيف العدل وأبو محمد المصري وسيف النصر.. إلخ، ممن ارتبطت أسماؤهم بأكثر التنظيمات السنية تشدداً وعداءً للشيعة؟ أليس في هذا الاحتضان ما يكشف أنّ معيار التحالف ليس عقائدياً بقدر ما هو أداتيّ براغماتي، يوظّف التناقضات بدل أن يحلّها، ويحوّل الخصومات إلى أوراقٍ في لعبة النفوذ؟
إنّ هذا السؤال ليس تفصيلاً عابراً، بل مفتاحٌ لفهم طبيعة المشروع ذاته: مشروعٌ لا يتورّع عن جمع المتناقضات إذا كانت تخدم هدفَه النهائي في توسيع دائرة التأثير وإرباك خصومه. ومن هنا نفهم كيف يمكن لخطابٍ يرفع رايةَ المقاومة أن يتقاطع، في مستوى الممارسة، مع شبكاتٍ تُعيد إنتاج الفوضى، وتستثمر في تآكل الدول! أما دول الخليج، فوجدت نفسَها في قلب هذا الاشتباك المركّب. فهي من جهةٍ نموذجٌ للاستقرار والتنمية، ومن جهةٍ أخرى هدفٌ دائم لمحاولات الاختراق الإيرانية.
وقد تجلّى ذلك في استهداف منشآت الطاقة، وتهديد الممرات البحرية، ومحاولات زعزعة الاستقرار الداخلي، خصوصاً في البحرين. ومع ذلك، فإنّ هذه الدول ظلّت، عبر عقود، ركيزةً أساسية في دعم العالم العربي، حيث قدّمت مئات المليارات من الدولارات، بما في ذلك أكثر من مئة مليار دولار للقضية الفلسطينية منذ عام 1967. إنّ الخطر الإيراني لا يكمن فقط في أدواته الصلبة، بل في محاولته إعادة تشكيل المعنى، عبر خطابٍ يعيد ترتيب الأولويات بحيث يصبح أمن الدول العربية مسألةً ثانوية.
وهذا ما يجعل المواجهة أكثر تعقيداً، لأنها تتطلّب تفكيكَ السردية بقدر ما تتطلّب ردعَ الأدوات.ومن هنا، فالحديث عن وحدةٍ عربية في هذا السياق لا يمكن أن يستقيم دون إعادة تأسيس المفهوم ذاته. فالوحدة ليست شعاراً، بل وعيٌ مشتركٌ بطبيعة التهديد، ومعيارٌ واحدٌ في توصيفه. ولا يمكن لهذا الوعي أن يتشكّل إذا ظلّت بعضُ النخب تتسامح مع استهداف العواصم العربية، أو ترى في انهيار الدول «كلفةً مقبولة» في معارك أخرى.
إنّ البداية ليست في توسيع دائرة الخطاب، بل في تضييق دائرة الالتباس: تحديدُ الخطر بوضوح، تثبيتُ مركزية الدولة، وبناءُ منظومةٍ إقليميةٍ تُدرك أنّ الاستقرار ليس خياراً تكميلياً، بل شرط الوجود نفسه. فحيث تُستباح الدول، لا تبقى وحدةٌ تُبنى، ولا تضامنٌ يُستدعى. ويبقى السؤال، وهو خلاصة هذا كله: كيف يمكن لأمّةٍ أن تتحد، بينما يُدار جزءٌ من فضائها بمنطق الولاية العابر للحدود، وتُستثمر تناقضاتُها إلى حدّ احتضان ألدّ خصومها عند الحاجة؟ أليست الخطوة الأولى نحو أي وحدةٍ ممكنة هي استعادة البوصلة، قبل البحث عن الطريق؟
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة


