في الوقت الذي يأمل فيه الكثيرون أن تضع الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية أوزارها، وأن تنتهي التوترات الناشئة بسببها في منطقة الخليج العربي، وبصفة خاصة جراء الاستهدافات العدوانية التي اقترفتها إيران بحق باقي دول المنطقة، رغم أن هذه الدول ليست طرفاً في النزاع. لذلك يثور الآن تساؤل مهم للغاية: مَن يتحمل مسؤوليةَ دفع التعويضات عن الخسائر المترتبة على هذه الاعتداءات، والتي طالت منشآت حيوية في مجالي الطاقة والبنية التحتية في دول الخليج العربية؟
من منظور تحليلي، يمكن تقسيم المسؤولية إلى عدة مستويات، أولها المسؤولية القانونية الدولية، حيث تنص قواعد القانون الدولي وصريح نصوصه على أن الدولة التي تتسبب في أضرار من أي نوع لدولة أخرى، نتيجة أعمال عدائية وتصرفات تخريبية متعمدة، ملزمة بتحمل مسؤوليتها كاملة في هذا الصدد، أي بتقديم التعويضات الكافية لجبر الضرر. وبناءً على هذه القواعد والنصوص الواردة في مدونات القانون الدولي، فإن أي طرف يَثبت تورطه المباشر في استهداف منشآت مدنية أو اقتصادية داخل دول الخليج العربية، يصبح ملزماً من الناحية القانونية بدفع التعويضات المناسبة عن الخسائر المتربة على هذا الاستهداف.
ومع العلم بأن الواقع العملي غالباً ما يكون أكثر تعقيداً من نصوص المدونة القانونية، وبأن الحروب الكبرى كثيراً ما تنتهي دون التزام واضح بتقديم التعويضات اللازمة لجبر الضرر، خاصة في غياب وجود جهة دولية قادرة على تحديد قيمة التعويض وإلزام الطرف المعتدي بدفعه.. فالخشية الآن هي من أن يصبح الإفلات من العقاب تقليداً مستقراً في القانون الدولي، مما يجشع بعض الدول على ممارسة أعمال مضرة بدول أخرى متى شاءت ذلك.
ولعله لا يخفى على أحد أنه في حالة الصراع الراهن بين إيران والولايات المتحدة فإن التجاذبات السياسية داخل المؤسسات الدولية، مثل مجلس الأمن الدولي، قد تعيق الوصول إلى آلية واضحة لمحاسبة الطرف المعتدي والمتسبب في الخسائر المشار إليها آنفاً.
ورغم ذلك، ومهما حاولت إيران التملص من مسؤوليتها المباشرة وإلقاء جزء منها على الطرف الأميركي، فإنها لا تستطيع مطلقاً نفيَ قيامها باعتداءات سافرة سبق أن اعترفت هي نفسها باقترافها ضد مصالح ومنشآت في دول الخليج العربية، مما يجعلها في دائرة المساءلة المباشرة. تريد إيران التشويش على مطالب دول الخليج العربية، عبر محاولة الحديث عن نوع من «التداخل في المسؤوليات»، على أمل أن يؤدي ذلك إلى ضبابية في تحديد الطرف الملزم بالتعويض.
لكن في مقابل تلك المحاولات، يتوقع أن تلجأ دول الخليج العربية إلى حلول أكثر حسماً ووضوحاً لصالح تثبيت حقوقها القانونية التي تُلزم الطرف المعتدي بدفع التعويضات وجبر الأضرار، شأنها شأن أي طراف متضرر تتكفل قواعد القانون الدولي بحماية حقوقه إزاء الطرف المعتدي. وقبل ذلك وبعده، فإن تعزيز منظومة الدفاع الخليجي المشترك من شأنه أن يقلل مستقبلاً مثل هذه الاعتداءات، وما ينجم عنها من خسائر في المنشآت المدنية الخليجية، خاصة في ظل وجود جار لا يؤمن بمبادئ سياسة حسن الجوار ولطالما أثبت أنه غير مأمون الجانب. ومن وجهة نظرنا، فإن تحميل إيران مسؤولية أفعالها وما نجم عنها من خسائر مادية، يستند إلى أدلة واضحة وآليات قانونية عادلة، مع العلم بأن إيران لن تدخر جهداً في محاولة التهرب من دفع التعويضات مستعينةً بالتوازنات السياسية الإقليمية والدولية بعيداً عن قواعد العدالة ومبادئ القانون الدولي.
ويبقى أن الحل الأمثل في هذه الحالة يكمن في الجمع بين ممارسة الضغط الدبلوماسي، والتوثيق القانوني الدقيق للأضرار، مع الاستعداد الداخلي لمواجهة تبعات أي تصعيد مستقبلي.
وفي الختام نؤكد أن الحقيقة الأهم في هذا المجال هي أن دول الخليج العربية مدعوة الآن، أكثر من أي وقت مضى، إلى إطلاق تحرك جماعي لضمان حقوقها وحماية مصالحها، وعلى رأسها - في اللحظة الراهنة - إجبار الطرف الإيراني على تحمل مسؤولية اعتداءاته السافرة وما نتج عنها من أضرار وخسائر في المنشآت والبنى التحتية لدول الخليج العربية.
*كاتب كويتي


