في إطار الجهود المتواصلة التي تبذلها دولة الإمارات العربية المتحدة لتعزيز منظومة الأمن الغذائي المستدام، تبرز «جائزة الشيخ منصور بن زايد للتميز الزراعي» كإحدى الأدوات المحفزة للابتكار في القطاعين الزراعي والحيواني، وتمثل الجائزة منصة وطنية تُعنى بتكريم الممارسات الريادية التي تسهم في تطوير أساليب الإنتاج ورفع كفاءتها وفق أفضل المعايير العالمية.وفي الواقع، فإن ملف الأمن الغذائي يحظى بأهمية كبيرة لدى القيادة الرشيدة، بوصفه قضية سيادية تمسّ استقرار الدولة واستدامة تنميتها. ويندرج هذا التوجه ضمن «الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2051»، التي تمثل إطاراً طويل المدى يهدف إلى بناء منظومة وطنية متكاملة قادرة على تعزيز الإنتاج الغذائي المستدام ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، بما يضمن مرونة المنظومة الغذائية في مواجهة التحديات العالمية المتسارعة.
وتطمح دولة الإمارات إلى ترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً رائداً في مجال الابتكار في الأمن الغذائي، ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى إدراجها ضمن أفضل 10 دول في المؤشر العالمي للأمن الغذائي بحلول عام 2051. ويعتمد هذا التوجه على رفع كفاءة الإنتاج المحلي وتعزيز قدرته التنافسية، وبناء شراكات استراتيجية دولية تضمن استدامة تدفق الغذاء واستقرار الإمدادات في مختلف الظروف والتحديات العالمية.
وتنطلق هذه الرؤية من إيمان عميق بأن استدامة الموارد هي الضمانة الحقيقية للأجيال القادمة، حيث يُعمل على تحويل التحديات المناخية والجغرافية إلى فرص عبر تبني نماذج زراعية متطورة مثل الزراعة المائية والعمودية، التي توفر المياه وتزيد الإنتاج. وتسعى الإمارات إلى تقليل الاعتماد على الاستيراد عبر تعزيز سلاسل التوريد المحلية، مما يسهم في خلق قطاع زراعي مرن قادر على الصمود أمام المتغيرات العالمية المتسارعة، وتعزيز السيادة الغذائية في مختلف السلع الأساسية.
وفي هذا السياق، يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً محورياً، حيث تعتمد «الزراعة الذكية» على أنظمة تحليل البيانات لتقنين استهلاك الموارد وتوقع احتياجات المحاصيل بدقة. وتسهم تقنيات تعلم الآلة والمستشعرات الذكية في مراقبة صحة النباتات والماشية، مما يقلّل الهدر ويزيد الجودة. وتتجسّد هذه الرؤية في مشاريع رائدة مثل «وادي تكنولوجيا الغذاء» في دبي، والمزارع الرأسية المؤتمتة التي تستخدم خوارزميات متقدمة لتنظيم البيئة الزراعية دون تدخل بشري، مما يحوّل الإمارات إلى مختبر عالمي لأحدث تقنيات الغذاء.
وتعمل هيئة أبوظبي للزراعة والسلامة الغذائية على دعم هذه الاستدامة عبر نشر ثقافة الحد من الهدر الغذائي، وتوفير الدعم الفني لربط المنتجين بالمستهلكين عبر منصات رقمية متطورة. وتسهم الابتكارات في مجالات التقنيات الحيوية والهندسة الوراثية في تطوير سلالات نباتية وحيوانية أكثر قدرة على التكيف مع الظروف البيئية المحلية، مثل ارتفاع درجات الحرارة وندرة المياه. كما يعزّز استخدام الطاقة المتجددة في العمليات الزراعية، مثل تشغيل البيوت المحمية بالطاقة الشمسية، كفاءة الإنتاج ويقلل البصمة الكربونية للقطاع.
وتلعب ريادة الأعمال دوراً متنامياً في ترسيخ منظومة الأمن الغذائي، حيث يتم دعم الشركات الناشئة المتخصصة في التكنولوجيا الزراعية والغذائية، مما يفتح آفاقاً جديدة لتطوير سلاسل الإمداد وتعزيز مرونتها. كما تسهم المبادرات التعليمية والتدريبية في إعداد جيل جديد من الكفاءات الوطنية القادرة على قيادة التحول نحو اقتصاد زراعي معرفي قائم على الابتكار.
ولا تقتصر هذه الجهود على رفع حجم الإنتاج فحسب، بل تمتد إلى ترسيخ الوعي بجودة المنتج الوطني وتعزيز ثقة المجتمع به، بما يسهم في بناء علاقة مستدامة بين المستهلك والمنتج المحلي. كما تستهدف دعم التطوير المستمر للقطاع الزراعي بوصفه أحد الروافد الحيوية للاقتصاد الوطني، وصولاً إلى تعزيز مستويات الاكتفاء الذاتي، وتأسيس قاعدة إنتاجية قوية ومستدامة تسهم في رفع جودة الحياة وترسيخ مقومات الأمن الغذائي.
وتشهد منظومة الأمن الغذائي في دولة الإمارات تحولات نوعية مدفوعة بالابتكار والتقنيات الحديثة، على نحو يؤكد أن القطاع الزراعي لم يعد مجرد ملف إنتاجي تقليدي، بل أصبح محوراً استراتيجياً يرتبط بالأمن والاستقرار. ومع استمرار الاستثمار في البحث العلمي، وتوسيع الشراكات الدولية، وتمكين القدرات الوطنية، تمضي دولة الإمارات نحو بناء نموذج متقدم في الأمن الغذائي يقوم على الكفاءة والاستدامة.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.


