يُعد برنامج «نافس» أحد أبرز المبادرات الاستراتيجية في دولة الإمارات العربية المتحدة لتعزيز توظيف الكوادر الوطنية في القطاع الخاص، عبر دعم استدامة التوازن في سوق العمل وتمكين المواطنين من فرص مهنية تنافسية. ومنذ إطلاقه عام 2021 بميزانية تبلغ 24 مليار درهم، سعى البرنامج إلى توفير 170 ألف فرصة عمل للمواطنين، مستنداً إلى منظومة دعم كامل تشمل الحوافز المالية والتدريب والتأهيل المهني، إلى جانب تشجيع القطاع الخاص على استقطاب الكفاءات الوطنية. وتتعدد أهداف برنامج «نافس»، لكنها تلتقي جميعها عند محور رئيس يتمثل في بناء رأسمال بشري وطني قادر على المنافسة عالمياً. ومن أبرز هذه الأهداف: تمكين المواطنين من الانخراط في القطاع الخاص، ورفع مهاراتهم المهنية، وتعزيز إنتاجيتهم، وتحقيق التوازن في توزيع القوى العاملة بين القطاعين الحكومي والخاص. كما يسعى البرنامج إلى دعم الشركات في استقطاب الكفاءات الوطنية، من خلال تقديم حوافز مالية وتشجيعية تسهم في تقليل الفجوة بين القطاعين.
ومن أبرز ما يميّز برنامج «نافس»، تركيزه على سد الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، عبر برامج تدريبية متخصّصة، تستهدف تأهيل الشباب للعمل في قطاعات حيوية مثل التكنولوجيا، والخدمات المالية، والصناعة، وغيرها من المجالات ذات القيمة المضافة.
وفي السياق ذاته، يقدم «نافس» دعماً مالياً مباشراً للمواطنين العاملين في القطاع الخاص، من خلال برامج مثل دعم الرواتب، وعلاوات الأبناء، وبرامج التقاعد، ما يعزّز من جاذبية هذا القطاع ويقلّل الفجوة في المزايا بينه وبين القطاع الحكومي. كما يوفّر «نافس» مسارات واضحة للتطور الوظيفي، بما يضمن استدامة الكفاءات الوطنية داخل الشركات الخاصة.
أما على صعيد التوطين، فإن لبرنامج «نافس» أثر واضح وملموس، حيث أسهم في زيادة أعداد المواطنين العاملين في القطاع الخاص بشكل غير مسبوق، إلى جانب تحسين نوعية الوظائف المتاحة لهم. ولم يقتصر هذا الأثر على الأرقام فقط، بل امتد ليشمل تعزيز ثقافة العمل في القطاع الخاص، وترسيخ مفاهيم جديدة قائمة على التنافسية، والابتكار، والاعتماد على الكفاءة.
وقد أسهم «نافس»، في تشجيع القطاع الخاص على استقطاب الكفاءات الوطنية، من خلال حوافز مالية وتسهيلات تنظيمية، إلى جانب دعم برامج التدريب والتأهيل داخل بيئة العمل. وهذا التوجه يعكس شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص، تقوم على تحقيق مصالح مشتركة، وتعزيز النمو الاقتصادي.
وتبرز الأرقام الأخيرة حجم هذا الإسهام وتأثيره، إذ استفاد نحو 50 ألف مواطن من برامج الإرشاد المهني، وهو ما ساعد في توجيه الكفاءات الوطنية نحو مساراتٍ وظيفيةٍ أكثر توافقاً مع قدراتهم واحتياجات سوق العمل. كما ارتفعت جاذبية القطاع الخاص لدى الخريجين بشكلٍ ملحوظٍ، من 15% في المراحل الأولى إلى 58%، وهو مؤشر يعكس تغييراً جوهرياً في نظرة الشباب نحو العمل في هذا القطاع الحيوي.
ومما لا شك فيه أن قرار تمديد برنامج «نافس» حتى عام 2040 هو خطوةٌ استراتيجية تعزز استدامة الجهود الوطنية في تمكين الكوادر الوطنية. ويؤكد هذا التمديد أن البرنامج ليس مبادرة مرحلية، بل مشروعاً وطنياً طويل الأمد يهدف إلى إعادة تشكيل سوق العمل، وترسيخ حضور المواطنين في مختلف القطاعات الاقتصادية، خاصة في القطاع الخاص.
ورغم النجاحات التي حققتها برنامج «نافس»، فإن هناك حزمة من الأولويات للمرحلة المقبلة، خصوصاً في ما يتعلق بتغيير بعض المفاهيم التقليدية حول العمل في القطاع الخاص، وأهمية الاستمرار في تطوير البرامج التدريبية بما يتماشى مع متطلبات الاقتصاد الرقمي. كما يتطلب الأمر تعزيز الوعي لدى أصحاب الأعمال بأهمية الاستثمار في الكوادر الوطنية، ليس فقط كالتزام، بل كخيار استراتيجي يحقق لهم الاستدامة.
يمثل برنامج «نافس» نموذجاً متقدماً في سياسات التمكين الاقتصادي، يعكس رؤية القيادة الرشيدة لبناء اقتصاد متنوع ومستدام، قائم على المعرفة والكفاءات الوطنية. ومع استمرار تطوير البرنامج وتوسيع نطاقه، من المتوقع أن يلعب دوراً محورياً في رسم ملامح سوق العمل خلال السنوات المقبلة، بما يعزّز من مكانة دولة الإمارات كواحدة من أكثر الاقتصادات تنافسية على مستوى العالم.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.


