في الخامس عشر من مايو، وبينما كان دونالد ترامب يصافح شي جين بينغ في «قاعة الشعب الكبرى» ببكين، كانت سفينة تجارية تغرق في مضيق هرمز وأخرى تُختطف، وكانت أسواق الأسهم العالمية تتراجع، فيما أعلنت شركة «سبيريت إيرلاينز» الأميركية توقفها التام بسبب فاتورة الوقود. ثلاثة أحداث متباعدة جغرافياً، تنتمي إلى الحدث الجيوسياسي ذاته الذي يُعيد رسم العالم منذ الثامن والعشرين من فبراير: حرب إيران وأزمة مضيق هرمز.
ما يجري في المضيق ليس أزمة طاقة، بل لحظة انكشاف. إنه الاختبار الذي تتعرّى عنده ثلاث فرضيات أسّست النظام الدولي منذ عام 1991: قدرة القوة الأميركية على فرض النظام، وفاعلية «النظام القائم على القواعد»، وموثوقية الضمانات الأمنية الأميركية لحلفائها. في فجر الثامن والعشرين من فبراير، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية «الغضب الملحمي»، فقُتل المرشد علي خامنئي، وردّت طهران بضربات صاروخية على إسرائيل وعلى قواعد أميركية، وعلى الإمارات وقطر والبحرين والكويت، وانخرط «حزب الله» و«الحوثيون» في الحرب. وفي الرابع من مارس، أعلنت إيران «إغلاق» المضيق.
استمرت الحرب خمسة أسابيع، وانتهت بوقف إطلاق نار في الثامن من أبريل الماضي، لكنها انتقلت إلى صيغة أخطر: لعبة حافة الهاوية حول هرمز، حيث لا تعبر السفن إلا بإذن إيراني وفق «بروتوكولات» تفرضها طهران. هنا يقع الانكشاف الأول: حدود القوة الأميركية. الجيش الأكثر تطوراً في التاريخ، بأضخم ميزانية دفاعية في العالم، يعجز عن إعادة فتح ممر مائي بعرض 33 كيلومتراً. ليس لأنه يفتقد القدرة التقنية، بل لأن تكلفة الحل العسكري الشامل باتت أعلى مما يستطيع النظام السياسي الأميركي تحمّله. القوة لم تختفِ، لكن هيبتها تتآكل. ويقع الانكشاف الثاني في الخليج.
لعقود، قام النموذج الاقتصادي الخليجي على معادلة بسيطة: تصدير النفط واستيراد كل ما عداه، في ظل حماية أميركية. هذه المعادلة تصدّعت، صادرات الغاز القطري متوقفة، والموانئ الإماراتية تعرّضت لضربات، والاعتداءات الإيرانية أكدت أن المظلة الأمنية الأميركية ليست محكمة. غير أن دول الخليج، رغم حجم الضربات، أظهرت قدرة عالية على احتواء الفوضى، واستمرار تشغيل بنيتها الاقتصادية، ومنع الانزلاق إلى انهيار شامل، في مؤشر على أن المنطقة بدأت تبني تدريجياً معادلات أمنية أكثر استقلالاً ومرونة. السؤال الذي يطرحه اليوم كل صانع قرار خليجي بوضوح: هل يمكن الرهان على الضمانات الأميركية وحدها بعد اليوم؟
أما الانكشاف الثالث، فهو استدارة آسيا. 80% من النفط و90% من الغاز المسال العابر لهرمز يتجه شرقاً. اليابان تستورد 93% من نفطها عبر المضيق، وجمهورية كوريا الشقيقة 70%. وحين أُغلق المضيق، أدركت آسيا أن أمنها رهينة بقرارات تتخذ في واشنطن وتل أبيب وطهران. لذلك ليس مصادفة اجتماع وزراء «بريكس» في الهند الأسبوع الماضي، ولا الزيارة المفاجئة لوزير الداخلية الباكستاني إلى طهران للوساطة، بل إشارات إلى تكامل آسيوي في الطاقة والمال والأمن قيد التشكل. في هذا السياق تماماً تُقرأ قمة بكين.
حين حذّر شي ترامب من أن «سوء التعامل» قد يقود إلى «صدامات بل صراعات»، كان يتحدث ورائحة هرمز في الغرفة. الرسالة الضمنية: لم تستطيعوا فرض إرادتكم على إيران - دولة من تسعين مليون نسمة - فما الذي يجعلكم تظنّون أنكم ستفرضوها على صين بـ 1.4 مليار نسمة؟ النظام الذي قام بعد 1991 ارتكز على ثلاث ركائز: تفوّق عسكري أميركي ساحق، ونظام دولي تقوده واشنطن، وقدرة الغرب على رسم خطوط حمراء يلتزم بها الخصوم.
الركائز الثلاث تتآكل اليوم في هرمز. النظام الذي عشنا فيه ثلاثة عقود يحتضر، والذي لم يولَد بعد، نحن في «الفترة الفاصلة» التي وصفها غرامشي ذات يوم: حين يموت القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد، تظهر أعراض مرضية متنوعة.
السؤال إذن ليس متى سيُفتح مضيق هرمز، بل على شكل أيّ نظام عالمي سيُفتح؟ ما يحدث اليوم سيُدرَّس بعد عقود كنقطة انعطاف، شأنه شأن سقوط جدار برلين أو الحادي عشر من سبتمبر. ليس لأن المضيق مهم بذاته - رغم أهميته - بل لأنه المرآة التي رأى فيها العالم، للمرة الأولى منذ زمن، أن إمبراطورية ما بعد الحرب الباردة ليست أبدية، ولا حتى متماسكة كما بدت.
*لواء ركن طيار متقاعد


