تعكس الشراكة المتنامية بين دولة الإمارات العربية المتحدة وتركيا تحولاً بنيوياً في طبيعة التوازنات الإقليمية وأنماط التحالفات في منطقة الشرق الأوسط، في ظل بيئة دولية وإقليمية تتسم بتصاعد التحديات الجيوسياسية وتراجع فاعلية الأطر التقليدية لإدارة الأزمات. وفي هذا السياق، يبرز التقارب الإماراتي- التركي بوصفه نموذجاً متقدماً لشراكات تقوم على البراغماتية السياسية والتكامل الاقتصادي وتنسيق المصالح الاستراتيجية، بما يعزّز قدرة الطرفين على لعب دور أكثر تأثيراً في دعم الاستقرار الإقليمي وإعادة صياغة معادلات التعاون في المنطقة.وفي هذا الإطار، اكتسب اللقاء الذي جمع سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 8 مايو 2026، أهمية خاصة، كونه عكس إرادة سياسية واضحة لدى الدولتين للانتقال بالعلاقات الثنائية من مرحلة التقارب السياسي إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية المؤسسية. كما أكد اللقاء أن العلاقات الإماراتية- التركية أصبحت تستند إلى رؤية مشتركة تقوم على تنسيق السياسات وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والأمني والتكنولوجي، ضمن مقاربة أكثر شمولاً لإدارة المصالح الثنائية، وبما يعكس إدراكاً متبادلاً لأهمية بناء شراكات مستقرة وقادرة على مواكبة التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.
وتتجلى أهمية هذا التحول في اتساع نطاق التعاون بين الطرفين، بحيث لم يعُد مقتصراً على التبادل التجاري والاستثماري، بل امتدّ ليشمل ملفات الأمن الإقليمي والطاقة والتكنولوجيا والدفاع وسلاسل الإمداد، وهي قطاعات باتت تمثّل ركائز أساسية في معادلات النفوذ الإقليمي والدولي. ويعكس ذلك إدراكاً متبادلاً لدى الدولتين بأن التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تتطلب بناء شراكات مرنة وقادرة على التعامل مع الأزمات العابرة للحدود، في ظل بيئة دولية تتزايد فيها أهمية التحالفات الاقتصادية والسياسية متعددة الأبعاد.
وعلى الصعيد السياسي والأمني، عكس الاتصال الهاتفي بين صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال مايو 2026 مستوى متقدماً من التنسيق السياسي بين الدولتين، حيث أكد أردوغان دعم بلاده الكامل لسيادة دولة الإمارات وأمنها. كما شدد الجانبان على أهمية مواصلة العمل المشترك لتعزيز العلاقات الثنائية والبناء على ما تحقق في مساراتها المختلفة، خصوصاً في المجالات التنموية والاستراتيجية، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي وترسيخ أسس التعاون طويل المدى بين الطرفين.
وتشكّل اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الإمارات وتركيا ركيزة محورية في هذا المسار الاستراتيجي، إذ أسهمت في رفع حجم التجارة الثنائية غير النفطية إلى أكثر من 45 مليار دولار خلال عام 2025، كما وفّرت إطاراً مؤسسياً لتوسيع الاستثمارات المتبادلة وتعزيز دور القطاع الخاص وفتح مجالات جديدة للتعاون في قطاعات المستقبل، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والتكنولوجيا المالية والخدمات اللوجستية، بما يعكس توجهاً واضحاً نحو بناء شراكة طويلة الأمد قائمة على التنوع والاستدامة.
وفي هذا السياق، اكتسب الاجتماع السنوي الثالث لمجلس الأعمال الإماراتي- التركي، الذي عُقد في إسطنبول خلال مايو 2026 بعد إعادة تشكيله، أهمية اقتصادية خاصة، إذ عكس حرص الجانبين على تحويل الشراكة الاقتصادية إلى مشاريع واستثمارات مستدامة. كما أكد الاجتماع التزام الطرفين بتعزيز التعاون بين مجتمعي الأعمال وتهيئة بيئة أكثر دعماً للقطاع الخاص، بما يسهم في توسيع الشراكات التجارية والاستثمارية وفتح آفاق جديدة للنمو الاقتصادي المتبادل.
وعلى صعيد التطورات الإقليمية، أظهرت الأحداث الأخيرة تقارباً واضحاً في مواقف الدولتين تجاه قضايا الأمن والاستقرار، في ظل الحرب الأميركية-الإسرائيلية-الإيرانية والاعتداءات الإيرانية التي استهدفت دولة الإمارات وعدداً من دول الخليج العربي الأخرى. فقد أكد الموقف التركي رفضه الصريح لهذه الاعتداءات، وشدد على أهمية احترام سيادة الدول ورفض استهداف البنية التحتية المدنية والممرات الحيوية، بما يعزز من مستوى التنسيق السياسي والأمني بين الجانبين في مواجهة التحديات المشتركة.
تمثّل الشراكة بين دولة الإمارات وتركيا نموذجاً متقدماً للشراكات الإقليمية، التي تجمع بين المصالح الاقتصادية والرؤية السياسية والتنسيق الأمني ضمن إطار استراتيجي متكامل. كما تعكس قدرة الدولتين على توظيف التقارب الثنائي في دعم الاستقرار الإقليمي وفتح آفاق جديدة للتنمية والتعاون، بما يؤهلهما للعب دور أكثر تأثيراً في صياغة توازنات إقليمية أكثر استقراراً ومرونة خلال المرحلة المقبلة.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.


