عندما بدأت حياتي العسكرية، كان مفهوم الحرب واضحاً. تبدأ بإنذار، ثم تقلع الطائرات، وتتحرك القوات، وتبدأ المواجهة.
وكانت القوة تُقاس بعدد الجنود، والطائرات، والدبابات، وحجم ما تمتلكه الدولة من سلاح.لكن العالم تغيّر، وتغيّرت معه الحروب. اليوم، قد يستيقظ الناس كأي صباح آخر. الموظف يتجه إلى عمله، والطالب إلى جامعته، والمطارات تعمل، والأسواق مفتوحة، والحياة تبدو طبيعية. ثم، خلال دقائق، تتوقف بعض شبكات الاتصالات، أو تتعطل الخدمات المالية، أو تُستهدف منظومة حيوية، أو تنتشر شائعة تهز ثقة المجتمع أكثر مما يفعل أي صاروخ. عندها ندرك أن الحرب قد تكون بدأت بالفعل، دون أن يسمع أحد صوت طلقة واحدة. لم يعد الهدف الأول في الصراعات الحديثة تدمير جيش الخصم، بل تعطيل قدرة الدولة على الاستمرار في أداء وظائفها.
فإذا تعطل القرار، واضطرب الاقتصاد، وفقد المجتمع ثقته بمؤسساته، فإن جزءاً كبيراً من أهداف الحرب يكون قد تحقق قبل أن تبدأ المعركة التقليدية. ولهذا ظهر مفهوم الحرب الهجينة، وهي حرب تستخدم كل أدوات القوة في وقت واحد، الهجمات السيبرانية، والحرب الإلكترونية، والتضليل الإعلامي، والضغط الاقتصادي، إلى جانب القوة العسكرية، بحيث تعمل جميعها لتحقيق هدف واحد هو إضعاف الدولة من الداخل قبل مواجهتها في الميدان. ولم يعد هذا مجرد تصور نظري.
فقد أثبت هجوم Stuxnet أن برمجية خبيثة استطاعت إلحاق أضرار بمنشآت استراتيجية دون أن تعبر قوة عسكرية الحدود، كما كشفت الحرب في أوكرانيا أن الصراع لم يعد يدور في البر والبحر والجو فقط، بل امتد إلى الفضاء الإلكتروني، والطاقة، والاتصالات، والأقمار الصناعية، والإعلام، حيث أصبحت المعلومة جزءاً من المعركة، وربما أحد أهم أسلحتها. وفي المقابل، يتسابق العالم اليوم نحو توظيف الذكاء الاصطناعي في المجالات العسكرية والأمنية.
ولا شك في أن هذه التقنية ستغير كثيراً من أساليب إدارة المعارك؛ لأنها قادرة على تحليل البيانات بسرعة تفوق القدرة البشرية، ودعم متخذ القرار، ورفع كفاءة العمليات. ومع ذلك، فإنها ستبقى أداة في يد الإنسان، وليست بديلاً عنه. فالقرار العسكري لا تصنعه الخوارزميات وحدها، بل تصنعه الخبرة، والحكمة، والقدرة على تقدير الموقف وتحمل المسؤولية. وخلال سنوات خدمتي، تعلمت أن النصر لا يكون دائماً من نصيب من يمتلك السلاح الأقوى، بل من يفهم طبيعة المعركة قبل أن تبدأ، ويستعد لها قبل غيره. وهذه القاعدة لا تزال صحيحة، لكنها اليوم لم تعد تنطبق على القوات المسلحة وحدها، بل على الدولة بأكملها. فالأمن الوطني للدول لم يعد مسؤولية المؤسسة العسكرية فقط، بل أصبح مسؤولية تبدأ من التعليم، والبحث العلمي، والاقتصاد، والأمن السيبراني، والإعلام، ولا تنتهي إلا عند الفرد نفسه. وفي عصر أصبحت فيه الشائعة تنتشر خلال ثوانٍ، فإن التحقق من المعلومة لم يعد سلوكاً أخلاقياً فحسب، بل أصبح جزءاً من أمن الدولة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.
ولذلك، لم يعد السؤال الذي يجب أن تطرحه الدول على نفسها: كم دبابة نملك؟ أو كم طائرة لدينا؟ السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع الدول أن تستمر في أداء وظائفها إذا تعرضت لهجوم لا يُرى؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فإنها تمتلك أحد أهم عناصر القوة في هذا العصر. أما إذا كانت الإجابة لا، فربما تكون الحرب قد بدأت قبل أن يسمع العالم صوت أول صاروخ.
*لواء ركن طيار متقاعد


