في صيف عام 1754، كان جورج واشنطن، الشاب البالغ من العمر آنذاك 22 عاماً، يشق طريقه في براري منطقة تُعرف اليوم بجنوب غربي ولاية بنسلفانيا. وقد أوفده نائب حاكم مستعمرة فرجينيا، روبرت دينويدي، لتأكيد المطالب البريطانية بالسيادة على الأراضي الحدودية المتنازع عليها، بعد رفض الفرنسيين إخلاء الحصون التي شيدوها هناك. لكن ما أعقب ذلك كان حالة من الارتباك، وسوءاً في التخطيط العسكري، وانتهى الأمر بالفشل الذريع.
بناء على أوامر «دينويدي»، وفي محاولة يائسة لإثبات جدارته، اتخذ واشنطن قراراً وشن هجوماً مع قوته المؤلفة من نحو 40 رجلاً على مفرزة فرنسية مماثلة في الحجم فيما عُرف بمعركة «جومونفيل غلين»، وهي إحدى المعارك التي ساهمت في إشعال فتيل حرب الفرنسيين والهنود. وقُتل أو جُرح 14 جندياً فرنسياً، وقُتل الضابط المسؤول، جوزيف كولون دي فيلييه دي جومونفيل، على يد أحد حلفاء واشنطن من السكان الأصليين، في قتال استمر 15 دقيقة. وزعم الفرنسيون أنهم وقعوا في كمين نصبه واشنطن ورجاله.
وخشية تعرضه لهجوم انتقامي، أمر واشنطن ببناء ما أصبح يُعرف لاحقاً باسم «حصن نيسيسيتي» في مساحة مكشوفة. غير أن الموقع كان سيئاً للغاية من الناحية الدفاعية، إذ أُقيم في مرج منخفض ومفتوح تحيط به الأشجار والمرتفعات، فكان مناسباً للتخييم، لكنه كارثي من الناحية العسكرية. وبعد شهر واحد، شن الفرنسيون هجوماً بقيادة لويس كولون دو فيلييه، الأخ غير الشقيق لجومونفيل، وانتهت المعركة بهزيمة ساحقة لواشنطن وقواته.
وكجزء من شروط الاستسلام، وقع واشنطن وثيقة محررة باللغة الفرنسية، التي لم يكن يجيدها، تضمنت اعترافاً بأن جومونفيل «اغتيل». وقد منح ذلك الفرنسيين الدعاية التي أرادوها لتصوير البريطانيين كقتلة. ولم يكن ذلك آخر إخفاقاته، ففي العام التالي، وأثناء خدمته مساعداً للواء البريطاني إدوارد برادوك، شهد واشنطن هزيمة أخرى عندما مُنيت القوات البريطانية بخسارة في معركة مونونغاهيلا.
ويتعلم من ينشأ في مدينة بيتسبرغ تفاصيل تلك القصة ضمن تاريخ المنطقة، حيث يسأل نفسه عما إذا كان قد سار فوق قبور مجهولة. غير أن هذا الفصل من سيرة واشنطن المبكرة لا يحظى بالشهرة نفسها. فقبل أن يصبح الشخصية التاريخية المعروفة، القائد الواثق في حرب الاستقلال الأميركية، والرجل الذي رفض التاج، ثم انتُخب أول رئيس للولايات المتحدة، كان مجرد شاب ارتكب أخطاء جسيمة، ترتبت عليها عواقب مؤلمة. وتتناول هذه المرحلة التكوينية من حياته أحداث فيلم «واشنطن الشاب» الجديد.

وقد أجبرت تلك الأخطاء واشنطن على مواجهة حدود قدراته وتعلم من هزيمة جومونفيل غلين مخاطر الطموح غير المنضبط، بينما جعلته تجربة حصن نيسيسيتي يتذوق مرارة الاستسلام، ويدرك أهمية مواءمة التكتيكات العسكرية مع طبيعة الأرض المحيطة. ولم تكن هذه دروساً نظرية، بل خبرات مباشرة وعميقة الأثر، حيث أدرك واشنطن قيمتها.
ومع مرور الوقت، ازداد حذره وتأنيه، وتطور لديه حس أكبر بالانضباط، سواءً في سلوكه أو في إدارة من يقودهم. وبصفته قائداً للجيش القاري، أصبح أكثر حرصاً على التضاريس، والمعلومات الاستخباراتية، والحفاظ على جيشه. وكان عبور نهر ديلاوير عام 1776 بمثابة مغامرة جريئة اعتمدت على التوقيت، والسرية، وعنصر المفاجأة. والأهم، بدأ واشنطن في ضبط طموحه، فأصبح مثابراً بدلاً من أن يكون مندفعاً، وهو درس بالغ القيمة لأي قائد.
تُثبت قصة واشنطن أن الفشل ليس نقيضاً للقيادة، بل هو جزء لا يتجزأ منها. فالصفات التي يربطها الناس بالقيادة الفعالة، كالحكمة والمرونة وضبط النفس، غالباً ما تُصقل بالتعلم من الأخطاء.
وقد يشير بعض المؤرخين إلى أن فيلماً مثل «واشنطن الشاب» لا ينقل جميع التفاصيل بدقة. وهذا صحيح، فالأعمال الدرامية تقتضي بطبيعتها الاختصار، وإعادة التفسير، بل وحتى قدراً من الابتكار. وهذا التوتر بين الحقيقة التاريخية ومتطلبات الدراما قائم بالفعل، لكنه لا ينتقص من قيمة العمل، ما دام ينجح في تجسيد حقيقة جوهرية عن سنوات واشنطن الأولى، وعن تطوره التدريجي نحو القيادة.إن الدرس الذي تقدمه حياة جورج واشنطن ليس أن صفات القيادة تولد مع الإنسان بشكل فطري، بل أنها تُكتسب بالتجربة والجهد، من خلال الخبرة واكتساب المعرفة والاستعداد للتعلم من الأخفاق.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*أمينة سابقة للأرشيف الأميركي- زميلة بارزة في مجال التربية المدنية بمنظمة «ستاند توغيذر».