في الثالث من يوليو عام 1776، كتب جون آدامز رسالة إلى زوجته أبيغيل من مقر «الكونغرس القاري» في فيلادلفيا يؤكد فيها أن الثاني من يوليو عام 1776 سيكون «أكثر الأيام خلوداً في تاريخ أميركا»، وأن الأجيال المقبلة ستحتفل به «كعيد سنوي عظيم». وجزم آدامز بأن الثاني من يوليو سيكون حاسماً لأنه اليوم الذي وافق فيه أعضاء الكونغرس القاري على اقتراح وفد فرجينيا بأن «المستعمرات المتحدة تعتبر دولاً حرة ومستقلة، ويجب أن تكون كذلك».
وكما رأى آدامز، كان ذلك التصويت بمثابة إعلان رسمي عن التزام مشترك باستقلال أميركا. لكن آدامز لم يدرك أن تصويت 2 يوليو ظل مجهولاً خارج أروقة الكونغرس القاري. ولم يعرف العالم سوى إعلان الاستقلال الذي أُقر في 4 يوليو، وهو التاريخ الموضح بالنسخة المطبوعة من الوثيقة الموزعة على الجمهور، ولذا فقد ارتبط استقلال الولايات المتحدة في الذاكرة العامة بذلك اليوم. غير أن ما استقر في الذاكرة الشعبية لا يتطابق مع الوقائع التاريخية.
فالمسرحية الغنائية الشهيرة «1776» والفيلم المقتبس منها يَختتمان أحداثَهما بمشهد يصعد فيه أعضاء الكونغرس القاري جميعاً لتوقيع إعلان الاستقلال في 4 يوليو، بينما الحقيقة أن أغلب الأعضاء وقعوا على الإعلان في 2 أغسطس، وإن أرجأ بعضُهم توقيعَه حتى سبتمبر. ويزيد الالتباس بسبب اللوحة الشهيرة «إعلان الاستقلال» التي رسمها جون ترمبل، والمعلقة داخل القاعة المستديرة في مبنى الكابيتول، إذ تُظهر هذه اللوحةُ خمسةَ رجال من بينهم جون آدامز، وتوماس جيفرسون، وبنجامين فرانكلين، يتقدمون نحو رئيس الكونغرس جون هانكوك، بينما يشاهدهم عشرات المندوبين. وافترض المشاهدون آنذاك، وما زالوا يظنون، أن المشهد يصور توقيع إعلان الاستقلال في 4 يوليو 1776. لكنه في الواقع يصور تسليم الإعلان الذي صاغته اللجنة في 28 يونيو. وبمرور السنوات، تخلى آدامز عن فكرة ربط الاحتفال بيوم واحد. فقد رأى أن التركيز على إقرار إعلان الاستقلال وحده يغفل المسار التدريجي الذي أقنع غالبية الأميركيين بأن الاستقلال أصبح حتمياً.
وبعد ذلك، أصبح يرى أن نقطة التحول الحقيقية جاءت في 15 مايو 1776، عندما أقر الكونغرس القاري، بأغلبية ساحقة، قراراً صاغه بنفسه، دعا المستعمرات إلى تعديل دساتيرها وتأكيد التزامها بالاستقلال بموافقة ساحقة. لكن أغلب احتفالات الاستقلال الأميركي خلال 50 عاماً التالية كانت في 4 يوليو، لأنه التاريخ الذي وضعته المطبعةُ على الطبعة الأولى من الإعلان. ورغم الجدل حول اللحظة والتاريخ الأكثر أهمية، ظل السؤال المُحرِج يفرض نفسَه: هل كان تاريخ يوم الاحتفال صحيحاً؟ وفي الرابع من يوليو عام 1826، جاءت المصادفة لتضع حداً لهذا الجدل.
ففي الذكرى الـ50 بالضبط لإقرار إعلان الاستقلال، توفي كل من توماس جيفرسون وجون آدامز في اليوم نفسه. وكان احتمال وفاة الرجلين، اللذين كان لهما دور محوري في بناء الأمة، في ذلك اليوم المميز، أمراً يفوق أيَّ منطق. لقد بدا وكأن الأمر مُقدر، ومنذ ذلك اليوم أصبح 4 يوليو بلا منازع التاريخ الأمثل للاحتفال باستقلال أميركا.
وسيكون احتفال الأمة بالذكرى الـ250 لتأسيسها العام الحالي مليئاً بالمفارقات؛ نظراً لأن الرئيس الحالي في البيت الأبيض يعتقد أنه النسخة الثانية للملك جورج الثالث. ومع ذلك، فإن الرابع من يوليو يستحق الكثيرَ من مظاهر الفخامة والاحتفالات المهيبة، والإضاءات المميزة، وكل ما وصفه آدامز.
جوزيف ج. إليس*
*كاتب ومؤرخ أميركي ومتخصص في تاريخ الثورة الأميركية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


