بدا الاحتفال بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة منقسماً ومضطرباً ومثقلاً بالقلق، تماماً كحال البلاد نفسها. وأظهر إجلاء الحشود من ساحة المتنزه الوطني في واشنطن «ناشونال مول» بسبب سوء الأحوال الجوية أن الرئيس دونالد ترامب يحاول تحدي وإنكار ظاهرة تغير المناخ، رغم أنها تفرض نفسها.

ويثير هذا الاحتفال التفكر في مصير بعض المدن والإمبراطوريات مثل مدينة كايفنغ الصينية، الواقعة على ضفاف النهر الأصفر، التي تبدو اليوم مدينة هادئة، لكنها كانت قبل ألف عام أهم مدينة في العالم. فقد كانت عاصمة الصين ويبلغ عدد سكانها نحو مليون نسمة، بينما لم يكن عدد سكان لندن آنذاك يتجاوز 15 ألفاً.

ومن بين القوى الأخرى التي نافست على زعامة العالم في عام 1000، الإمبراطورية البيزنطية وعاصمتها القسطنطينية، والخلافة العباسية وعاصمتها بغداد، والإمبراطورية الغزنوية في غرب آسيا، التي اتخذت من مدينة غزنة، في أفغانستان الحالية، مقراً لها. لكن أياً منها لم يتمكن من التكيف والحفاظ على مكانته. ويدفع ذلك إلى التساؤل: هل تستطيع الولايات المتحدة الصمود كدولة مزدهرة عند احتفالها بعيدها الـ500؟ أم ستلقى مصير الإمبراطورية البيزنطية والدولة العباسية؟

وهناك مواطن ضعف واضحة، إذ يرى نحو ثلثي الأميركيين أن البلاد تسير في اتجاه خاطئ. ومن المثير للقلق تقويض النهج الثلاثي الذي جعل الولايات المتحدة مهيمنة، بدءاً من الاستثمارات الضخمة في رأس المال البشري كالتعليم.

وكانت الولايات المتحدة رائدة عالمياً في التعليم الجماهيري خلال القرنين الـ19 والـ20، لكنها تحتل الآن المرتبة التاسعة في القراءة، والـ16 في العلوم، والـ34 في الرياضيات، وفقاً لتصنيف دولي. ويشمل رأس المال البشري أيضاً الصحة ورفاهية الحياة، وهو أمر مثير للإحباط أيضاً، إذ تحتل الولايات المتحدة الآن المرتبة الـ61 عالمياً في متوسط العمر المتوقع، بحسب بيانات البنك الدولي.

وكانت الركيزة الثانية للنمو الأميركي هي الترحيب بالمهاجرين، حتى لو كان بشكل غير متّسق وغير كامل. أما اليوم، فقد تراجع هذا الترحيب، باستثناء ما يبدو أنه يشمل «اللاجئين» البيض من جنوب أفريقيا. كما انخفض عدد طلاب الدراسات العليا الأجانب في الجامعات الأميركية 12% خلال الخريف الماضي، مع توقع استمرار التراجع.

أما الركيزة الثالثة، وهي الاعتماد على الأسواق الحرة، فما زالت قائمة إلى حد كبير. لكن التفاوت في الدخل ازداد منذ عام 1980، وتشير الأدلة إلى أن الإفراط فيه يضعف النمو. كما لا يزال الدولار العملة المهيمنة عالمياً، لكنه أصبح يواجه تحديات متزايدة. لكن القضية تتجاوز الاقتصاد. فقد كتب جون آدامز عام 1815 أن الثورة لم تكن حرباً، بل كانت تحولاً «في عقول الشعب».

لقد قامت الولايات المتحدة على أفكار مثل المساواة، وتكافؤ الفرص، والانفتاح على الهجرة، ورغم أنها أحياناً كانت مجرد شعارات لكنها ظلت مُثلاً عليا ألهمت تقدماً حقيقياً. واليوم تراجعنا عن تلك الطموحات. وقد خسرت الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية حربين، الأولى أمام «طالبان» في أفغانستان، والثانية أمام إيران العام الحالي، بجانب خسارة الحرب التجارية مع الصين العام الماضي. ويبدو أنها تتراجع عن التزاماتها تجاه حلف شمال الأطلسي «الناتو».

إن الانقسام الداخلي وتراجع النفوذ الخارجي يذكران بانحدار القوى العظمى في التاريخ، وكذلك إسبانيا في القرن الـ16 وبريطانيا في أواخر القرن الـ19. إلا أنني أكثر تفاؤلاً من الكثيرين بشأن مستقبل البلاد. ويستند تفاؤلي الحذر إلى ثلاثة عوامل، أولها أن واشنطن ما زالت تحتفظ بتفوقها التكنولوجي، مدعوماً باستقطاب العلماء من الخارج.

فاليوم يقود الذكاء الاصطناعي وعلوم المواد والتكنولوجيا الحيوية موجة التقدم، إلى جانب الأسواق المالية المهمة في العالم، حيث تمثل الأسهم الأميركية نحو ثلثي القيمة السوقية العالمية. ثانياً، تواجه الدول المنافسة تحدياتها الخاصة.

فالصين، رغم قوتها، تعاني شيخوخة سكانية. ثالثاً، ليست توقعات تراجع الولايات المتحدة بجديدة. فقد تكررت منذ القرن الـ19، عندما كانت اليابان تعتبر القوى الاقتصادية الأولى، ولاحقاً مع التوقعات بتجاوز الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي، وهو ما يرى بعضهم اليوم أنه قد لا يحدث أبداً. كما أن الولايات المتحدة مازالت تتمتع بسكان أكثر شباباً، جزئياً بسبب الهجرة.لذلك، لا أعتقد بأن تراجع الولايات المتحدة أمر حتمي. لكن مستقبلها سيعتمد على التحلي بالحكمة للعودة إلى استراتيجية الاستثمار في رأس المال البشري، والترحيب بالمهاجرين، ودعم الأسواق الحرة، في إطار يحقق قدراً معقولاً من المساواة.

*كاتب أميركي حاصل على جائزتي بوليتزر.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»