ما يجري اليوم لا يشبه الحروب التقليدية التي تبدأ بحشد الجيوش ثم تنتهي باحتلال العواصم. فالولايات المتحدة لا تخوض حتى الآن حرباً شاملة ضد إيران، بل تنفِّذ ما يمكن وصفه بحملة جوية متدرّجة تقوم على الانتقال من الأهداف التكتيكية إلى الأهداف الاستراتيجية وفق مراحل محسوبة. 
والهدف ليس تحقيق نصر سريع، بل تفكيك عناصر القوة الإيرانية تدريجياً، وإجبار طهران على استنزاف ما تبقّى من قدراتها العسكرية والاقتصادية حتى تصل إلى مرحلة يصبح فيها استمرار المواجهة أكثر كلفة من القبول بالتفاوض وفق الشروط الأميركية.

بدأت المرحلة الأولى باستهداف الدفاعات الجوية والرادارات ومراكز القيادة والسيطرة ومنصّات إطلاق الصواريخ ومخازن الذخيرة، وهي أهداف تُعرف عسكرياً بأنها تمهّد الطريق لتحقيق التفوق الجوي والإلكتروني. فالجيوش الحديثة لا تبدأ بتدمير المصانع أو البنية التحتية المدنية، بل تعمل أولاً على إسكات العيون والآذان التي تدير المعركة، ومن ثم تدمير البنية التحتية لمسار الدعم اللوجستي مثل الجسور، وتعطيل استمرار الحياة الاعتيادية بوجود الماء والكهرباء، وهو تحرُّك تتقاطع فيه الجوانب العسكرية والمدنية، وصولاً للفوضى. وكلما فقدت إيران قدرتها على اكتشاف الطائرات والصواريخ أو التنسيق بين وحداتها العسكرية، أصبحت سماؤها أكثر انكشافاً أمام القوة الجوية للخصوم.
لكن تحقيق التفوق الجوي لا يعني انتهاء قدرة إيران على الرد. فمنذ عقود بنت طهران عقيدتها العسكرية على مبدأ الرد غير المتماثل، معتمدة على الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، والمنشآت المحصّنة تحت الأرض، ومنصّات الإطلاق المتحركة، إضافة إلى شبكات من الحلفاء الإقليميين. لذلك فإن خسارة جزء كبير من الدفاعات الجوية لا تعني فقدان القدرة على استهداف الطرف الآخر، وإنما تعني أن هذه القُدرة ستتراجع تدريجياً مع استمرار الاستنزاف وصعوبة تعويض الخسائر، مما قد يقود إيران إلى إشعال المنطقة ككل ومهاجمة إسرائيل ورفع الكلفة إلى أعلى مستوى ممكن، ويبقى تساؤل مَن يتخذ القرار في إيران هو السؤال الأبرز!
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة في الاستراتيجية الأميركية. فواشنطن لا تحتاج إلى منع كل صاروخ إيراني، بل يكفيها تقليص القدرة الإيرانية تدريجياً حتى تتحول الضربات من هجمات واسعة ومنظمة إلى ردود متفرّقة ذات تأثير محدود. وفي الوقت نفسه، فإن كل هجوم إيراني على قواعد أو منشآت مدنيّة في دول المنطقة يدفع هذه الدول إلى الاقتراب أكثر من المظلة الأمنية الأميركية، وهو ما يحقق لواشنطن مكاسب سياسية واقتصادية على المدى القصير والمتوسط والبعيد إلى جانب المكاسب العسكرية المتعددة. ويعتقد البعض أنه سيناريو مكتوب وإلا لماذا تستهدف إيران أذربيجان وميناء العقبة في الأردن الذي لا توجد به قواعد أميركية ولا تواجد عسكري، وبالتالي هي مجرد مسألة وقت قبل أن تصل الصواريخ للجانب الإسرائيلي المتاخم ليتوسّع النزاع المسلح.
إذا استمرت الجولة وفق منطقها الحالي، والذي يُعتبر منضبطاً على الرغم من كل الدمار، فقد نشهد توسيع مشروع العقوبات على إيران وتعزيز حدة الحصار والانتقال تباعاً إلى السيطرة غير المباشرة على ميناء بندر عباس، من خلال عزله عن الداخل الإيراني، لتثبيت معادلة أن مضيق هرمز لا يخضع لإيران، لتظل المواجهة مفتوحة والمتوقع أن تشتد في الأيام القادمة. والغاية من ذلك ليست مجرد تدمير منشآت، بل إضعاف قدرة الدولة على تمويل الحرب، وتحريك قواتها، وإعادة إنتاج أسلحتها، بما يجعل استمرار القتال أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
ورغم الضربات المتواصلة، ما زالت إيران تمتلك أوراقاً، فهي تملك مخزوناً من الصواريخ والمسيّرات، وقدرة على تهديد الملاحة في الخليج، وإمكانات في الحرب السيبرانية، إضافة إلى شبكة من الحلفاء الإقليميين. فعزل إيران عن مضيق هرمز هو المعادلة الصفرية لتغيير مسار المفاوضات. فالحروب الحديثة تُحسم غالباً بقدرة الدول على التموقع وتعويض خسائرها والحفاظ على منظومات القيادة والإنتاج، لا بعدد الصواريخ التي تطلقها.
في المقابل، تدرك الولايات المتحدة أن الحرب المفتوحة لإسقاط النظام الإيراني قد تحمل مخاطر تفوق مكاسبها، ولن تتحقق دون إنزال بري نوعي، لذلك تبدو أنها أكثر ميلاً إلى إضعاف إيران بدلاً من تدميرها بالكامل. فإيران المُنهكة عسكرياً واقتصادياً، والمقيدة إقليمياً، تحقق لواشنطن جزءاً كبيراً من أهدافها الاستراتيجية من دون تحمُّل كلفة احتلال بلد كبير ومعقد جغرافياً وسياسياً.
في النهاية، إلى متى تستطيع إيران المحافظة على مستوى الرد نفسه في ظل حملة جوية متدرّجة تستهدف في كل مرحلة عنصراً جديداً من عناصر قوتها؟ وإذا استمرت هذه الوتيرة، فإن مستقبل الصراع قد لا تحدّده الضربة الأكبر، بل الطرف الذي يحقق الهيمنة التشغيلية على مسرح الصراع لفترة أطول، لأن حروب القرن الحادي والعشرين تُحسم غالباً بالاستنزاف المنظم أكثر مما تُحسم بالمعارك الخاطفة.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.