في الوقت الذي استحوذ فيه تفشي فيروس هانتا على عناوين الأخبار العالمية في مايو، يسلط الضوء الآن على مرض معدٍ آخر. فقد أثار داء السيكلوسبورا، وهو طفيلي ينتقل عن طريق الغذاء ويرتبط بحالات تفشي في ما لا يقل عن 34 ولاية، ردود فعل مبالغ فيها ومتسرعة، إذ امتنع البعض عن تناول السلطات، وتخلصوا من منتجات زراعية صالحة تماماً للأكل، وتعهدوا بتجنب الفواكه والخضروات في المستقبل المنظور.
ومع أن المخاوف مفهومة، إلا أن الاستنتاجات الناتجة غير صحيحة، إذ ينبغي اعتبار تفشي المرض بمثابة تذكير بضرورة اتباع ممارسات سلامة الغذاء اليومية والوعي بالأمراض المنقولة بالغذاء دون إجراءات مبالغ فيها.
ومنذ الأول من مايو الماضي، تلقت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بلاغات عن 1645 إصابة مؤكدة بالسيكلوسبورا، ويتم مراجعة أكثر من 5100 حالة أخرى مشتبهاً بها، فيما يمثّل زيادة كبيرة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، حين لم يُسجل على مستوى البلاد سوى 249 حالة.
إلا أن هذه الأرقام أقل من الواقع بسبب التأخير في تأكيد الحالات وإبلاغ أنظمة الترصد الوطنية. فقد وثقت ولاية ميشيغان وحدها أكثر من 6500 حالة، استدعت نحو 100 منها دخول المستشفى. ويتزامن التفشي مع تخفيض كبير لأعداد الموظفين في وكالات الصحة العامة الفيدرالية، مما يُصعب الكشف السريع عن حالات التسمم الغذائي، وتتبع المنتجات الملوثة، وتقديم إرشادات فورية للمستهلكين، على الرغم من دفاع الإدارة عن التخفيض.
وحتى إذا واصلت الأرقام الارتفاع، فإن السيكلوسبورا لا يُقارن بحجم الأمراض المنقولة بالغذاء التي يُعاني منها الأميركيون بشكل روتيني. فالسالمونيلا تُسبب ما يُقدر بنحو 1.35 مليون إصابة سنوياً في البلاد، بينما تُصيب العدوى البكتيرية «العطيفة» نحو 1.5 مليون شخص. ويتفوق عليها فيروس النوروفيروس، الذي يُسبب نحو 19 إلى 21 مليون حالة سنوياً، وأكثر من 100 ألف حالة دخول إلى المستشفى.
ورغم من أن داء السيكلوسبورا قد يُسبب أعراضاً معوية مزعجة مثل الإسهال الحاد وفقدان الشهية وتقلصات المعدة والانتفاخ والغثيان، إلا أن أغلب المرضى يتعافون بسرعة، كما يُمكن علاج العدوى بسهولة بدورة علاجية من 7 إلى 10 أيام بمضاد حيوي شائع معروف باسم باكتريم. وينبغي على الأشخاص الذين تظهر عليهم الأعراض التواصل مع مقدمي الرعاية، وإجراء الفحوصات المطلوبة لوصف العلاج.
يؤكد هذا التفشي أهمية وجود نظام وطني قوي للرصد الوبائي، مع ضرورة تعلم المستهلكين الخطوات العملية لتقليل خطر الإصابة. كذلك عليهم اتباع أساسيات تحضير الطعام الآمن وأولها غسل الفواكه والخضراوات جيداً بالماء الجاري، وطهي اللحوم والدواجن والمأكولات البحرية حتى درجة الحرارة الداخلية الموصى بها.
ويجب فصل اللحوم النيئة والدواجن والمأكولات البحرية عن الأطعمة الجاهزة للأكل، وغسل السكاكين وألواح التقطيع وأسطح الطاولات جيداً بعد ملامستها للحوم النيئة. كما ينبغي وضع الأطعمة القابلة للتلف في الثلاجة خلال ساعتين، أو خلال ساعة واحدة إذا تُركت خارجاً في يوم حار. ويُفضل تجنب الحليب غير المبستر والبيض النيئ.
وتساعد تلك الإجراءات الأساسية البسيطة في الوقاية من عدة أمراض منقولة بالغذاء. إلا أن فيروس نوروفيروس يختلف قليلاً لأنه ينتشر من شخص لآخر وليس عن طريق الطعام الملوث. لذا، تُعد نظافة اليدين بالغة الأهمية، ويجب غسلها جيداً بالماء والصابون، لاسيما بعد استخدام المرحاض، وتغيير الحفاضات، وقبل تحضير الطعام أو تناوله. وإذا كان الشخص يعاني من القيء أو الإسهال، فعليه عدم تحضير الطعام للآخرين إلا بعد يومين على الأقل من زوال الأعراض.
ومع استمرار تفشي السيكلوسبورا، قد يفضل الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة الشديدة، مثل الحوامل وذوي المناعة الضعيفة، طهي الخضروات بدلاً من تناولها نيئة، إذ يقضي الطهي حتى 165 درجة فهرنهايت (37 درجة مئوية) على السيكلوسبورا ومسببات أمراض أخرى. أما الفواكه، فيمكن غسلها وفركها جيداً لتقليل خطر الإصابة، أو طهيها لمن يشعر بالقلق.
في نهاية المطاف، تُعد الفواكه والخضراوات من أفضل الأطعمة لصحة جيدة، خاصة وأن نحو 90% من الأميركيين لا يتناولون خضراوات كافية، و80% لا يتناولون فاكهة كافية. لذا، لا يتعين عليهم الفزع من عناوين مثيرة تُصعب عليهم تناول المنتجات الطازجة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*كاتبة وطبيبة طوارئ، وأستاذة مساعدة بجامعة جورج واشنطن،


