شكَّلت زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن نقطةَ تحوّل، ليس في مسار العلاقات السياسية والاقتصادية بين العراق والولايات المتحدة فحسب، بل أيضاً في تطوير النفوذ الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً بعدما انتقلت المباحثاتُ من إطار التعاون التقليدي في قطاع النفط، إلى مشاريع استراتيجية تتعلق بأمن الطاقة الإقليمي، وإعادة رسم خريطة صادرات النفط العراقي.
ولذا يلاحَظ أن أبرز ما خرجت به الزيارة هو الدفع الأميركي نحو إعادة تشغيل خط الأنابيب الممتد من كركوك إلى بانياس في سوريا وطرابلس في شمال لبنان، باعتباره أحد أهم المشاريع القادرة على تنويع منافذ تصدير النفط العراقي، وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز الذي أثبتت التطورات الإقليمية الأخيرة هشاشة الاعتماد عليه كممر وحيد للصادرات النفطية.
وحصل ذلك في ظل متغيرات إقليمية متسارعة. وفي ضوء الاضطرابات التي تشهدها المنطقة، قرر العراق تنويعَ منافذ التصدير، فيما تنظر الولايات المتحدة وفرنسا، وعددٌ من الدول الأوروبية، إلى إعادة تشغيل خط الأنانبيب هذا، باعتباره جزءاً من استراتيجية أمن الطاقة في شرق المتوسط. وليس فقط لما يوفره من منفذ جديد لصادرات النفط العراقي، بل أيضاً لأنه يعيد رسمَ خريطة نقل الطاقة في المنطقة، كونه ممراً استراتيجياً دولياً.
وقد انتقل المشروع من مرحلة التصريحات إلى مرحلة الدراسات الفنية، حيث شكلت بغداد ودمشق لجاناً مشتركة لإجراء المسوحات الهندسية، وتقييم حالة الخط القديم، ودراسة ما إذا كان سيتم إصلاحه أم إنشاء مسار خط جديد في بعض المناطق التي تعرضت لدمار واسع، خصوصاً في محافظة دير الزور بسوريا.
ومن أبرز التطورات ذات الصلة، إعلان مسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية دعم الجهود المبذولة بغية بدء الخطوات التنفيذية لهذا المشروع الذي يستغرق إكمالُه ثلاثَ سنوات، على أن يبدأ بنقل 700 ألف برميل يومياً، في مرحلته الأولى، ثم يصل طاقته التصميمية البالغة نحو 1.5 مليون برميل يومياً عند اكتمال إنجازه.
وقد برزت شركة «شيفرون» كأكبر مستثمر أميركي على رأس مجموعة شركات متنوعة الاختصاص، لتنفيذ هذا المشروع الذي يبلغ طوله نحو 800 كلم، أما تكلفته فقد أشارت التقديرات الأولية إلى ثلاثة سيناريوهات: أولها إصلاح الخط القديم ويشمل فحص الأنابيب، واستبدال المقاطع المتضررة، وتحديث محطات الضخ وأنظمة التحكم.. وتتراوح تكلفة هذا العمل بين 300 و600 مليون دولار. والثاني إعادة بناء أجزاء كبيرة من الخط، وتشمل إنشاء محطات ضخ جديدة، وزيادة القطر والطاقة الاستيعابية، وإضافة أنظمة مراقبة إلكترونية وحماية أمنية، وقد تصل التكلفة إلى 4.5 مليار دولار. أما السيناريو الثالث فيتعلق بإنشاء مشروع استراتيجي جديد، يشمل خطاً جديداً بمواصفات حديثة، ورفع الطاقة إلى 700 ألف برميل يومياً، وتطوير مرافق التخزين والتصدير في بانياس، وتتراوح تكلفته بين 6 مليارات و8 مليارات دولار.ورغم الزخم السياسي لدعم المشروع، فهو يواجه سلسلة تحديات، منها: التمويل الضخم المطلوب، وإزالة الأضرار الواسعة في البنية التحتية، والمخاطر الأمنية على امتداد مسار الخط، بالإضافة إلى العقوبات المفروضة على سوريا وما تشكله من تعقيدات على مشاركة الشركات الأجنبية، والحاجة إلى توافقات سياسية وإقليمبة طويلة الأجل.
وفي حال نجاح المشروع، فإنه سيعيد لسوريا ولبنان دورهما التاريخي، كبوابة لنفط العراق نحو المتوسط وأوروبا.
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية


