يبدو أن واشنطن قد توصلت أخيراً إلى فكرة لزيادة الإيرادات تحظى بتأييد «الجمهوريين» و«الديمقراطيين» على حد سواء، وهي فرض ضرائب على الذكاء الاصطناعي لمساعدة العامل الأميركي. ولكن من المؤسف أن تلك الفكرة ستؤدي إلى نتائج عكسية.
فمن اليمين، يريد الرئيس دونالد ترامب أن تسهم شركات الذكاء الاصطناعي «بأي شيء في المجتمع»، وقد أبدى السيناتور جوش هاولي، «الجمهوري» عن ولاية ميسوري، انفتاحه على فرض ضرائب لضمان أن «تعمل شركات الذكاء الاصطناعي فعلاً من أجل الصالح العام». ومن تيار اليسار، يريد السيناتور بيرني ساندرز، المستقل من ولاية فيرمونت، أن يمتلك الجمهور نصف أكبر شركات الذكاء الاصطناعي، ودعا النائب رو خانا، «الديمقراطي» عن ولاية كاليفورنيا، إلى فرض ضريبة على رموز الذكاء الاصطناعي، وهي وحدة البيانات الأساسية التي تعالجها نماذج اللغة الضخمة. وتعتمد مقترحات الضرائب المختلفة على آليات متباينة، لكنها تستند جميعاً إلى نفس الرواية المحفزة.
وتقوم تلك الرواية على افتراض محصلته صفر، أي أن مكاسب رأس المال تعني تلقائياً خسائر للعمال. وقبل توليه منصب وزير الخزانة، تبنى «سكوت بيسنت» هذا الافتراض، زاعماً أنه منذ ثمانينيات القرن الماضي، «حظي رأس المال بمعاملة أفضل على حساب العمال». وربط سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، تلك الرواية بالذكاء الاصطناعي، مدعياً أنه يستطيع «تخيل» جميع الطرق التي «يُقوض» بها الذكاء الاصطناعي الرأسمالية من خلال زيادة تحويل النفوذ الاقتصادي من العمال إلى رأس المال.
أما الجزء الثالث من هذه الرواية فهو الاعتقاد بأن العمل يخضع لضرائب بمعدلات أعلى من رأس المال، أي أن الضرائب المفروضة على العمال أعلى من تلك المفروضة على دخل الاستثمارات المستخدمة في إنشاء أنظمة الذكاء الاصطناعي والأجهزة التي تحل محلها.وجميع أجزاء هذه القصة الثلاثة خاطئة، فإذا كان رأس المال يهيمن على العمال بما يضرهم، لكانت البيانات أظهرت ركود الأجور، وارتفاع حصة رأس المال من الناتج الاقتصادي. لكن البيانات أظهرت أن حصة العمل من الدخل القومي ظلت مستقرة وتراوحت حول 70% طوال قرن تقريباً. كما ارتفعت الأجور الحقيقية بأكثر من 40% منذ تسعينيات القرن الماضي. وانخفضت تكلفة المعيشة للطبقة المتوسطة خلال فترة مماثلة. لذلك، لا يوجد صراع وجودي بين رأس المال والعمل؛ فالأدوات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي، تزيد إنتاجية العمال وقيمتهم وقدرتهم على الحصول على أجور أعلى. وكما لم يقضِ جدول البيانات الرقمي على المحاسبين، بل حررهم من الأعمال اليدوية للتركيز على التحليل الأعلى قيمة، فإن الاستثمارات الجديدة توسع الاقتصاد بما يتيح لرأس المال والعمل تحقيق مكاسب معاً.أما المفهوم الخاطئ الأخير فهو أن رأس المال يُفرض عليه ضرائب أقل من اللازم مقارنة بالعمل. والإحصاءات التي توحي بذلك فهي مجرد تلاعب بتوقيت فرض الضرائب. فكل من العمل ورأس المال يخضعان لأعلى معدلات ضريبية فيدرالية هامشية تبلغ نحو 40%، ومعدلات ضريبية متوسطة تقارب نصف ذلك. ويدفع العمال ضرائب الدخل والرواتب، بينما تُفرض الضرائب على رأس المال عادةً على مستويين، أولهما ضريبة دخل الشركات، وثانيهما ضرائب الأرباح الرأسمالية وتوزيعات الأرباح.
إذن، لا يعتبر فرض ضرائب جديدة على الذكاء الاصطناعي هو الحل الأمثل لمساعدة العمال. فما الذي ينبغي لواشنطن أن تفعله بدلاً من ذلك؟
أولاً: مساعدة العمال بشكل مباشر بالاحتفاظ بجزء من رواتبهم من خلال تخفيض الكونجرس لضرائب الدخل والرواتب، بالتوازي مع تخفيض الإنفاق الحكومي والبرامج التي تثبط العمل وتحول رأس المال بعيداً عن الاستثمارات التي ترفع الأجور.
ثانياً: إذا كان القلق من عدم خضوع ثروات الذكاء الاصطناعي للضرائب بسبب الثغرات، فالحل هو إصلاح الضرائب القائمة وفرض الضريبة على الثروة عند إنفاقها، بدلاً من فرض ضرائب جديدة على الكهرباء والآلات والأجور والاستثمارات الإنتاجية.
وأخيراً، ينبغي عدم فرض ضرائب على الذكاء الاصطناعي أو دعمه بإعانات حكومية. فخصم الشركات استثماراتها فوراً معاملة ضريبية عادلة، لكن يجب إلغاء الإعانات والاعتمادات الضريبية الموجهة لمشروعات الطاقة ومكونات مراكز البيانات، إلى جانب المنح والحوافز التي تقدمها بعض الولايات لمراكز البيانات.
إن المنطق القائم على فرض ضرائب على الآلة لمساعدة العامل يقلب الموازين الاقتصادية رأساً على عقب، الرواية المتداولة في واشنطن خاطئة تماماً، فرأس المال، والذكاء الاصطناعي الذي يُموله، قد يكونا وسيلة لزيادة رواتب العمال لا استبدالهم.
*مدير دراسات السياسة الضريبية في معهد كاتو.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


