لم يكن من المستغرب أن تُسدى أول جائزة تكريمية لثقافة الحرية والمواطنة والتسامح يمنحها «منتدى بناة السلام»، بمناسبة مرور 250 عاماً على استقلال الولايات المتحدة الأميركية، لدولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة المغربية اللتين تُشكِّلان، من حيث توجُّهات قيادتيهما وسياساتهما العمومية، نموذجين فريدين في عالم تتزايد فيه مشاعر التعصب والعنف والتطرف، وتشتعل فيه الحروب والصراعات والفتن.
في اللقاء الأخير حول الحرية الدينية، الذي استضافه مجلس الشيوخ الأميركي في واشنطن، وشاركت فيه مؤسّسات رائدة من بينها «منتدى أبوظبي للسلم»، الذي مثّله أمينُه العام الشيخ المحفوظ بن بيّه، كان التنويه صريحاً بتجربة الإمارات والمغرب في تكريس قيم التضامن الإنساني والانفتاح الفكري والثقافي.
وبخصوص الإمارات، لا أحد يجهل أنها أسّست رؤيتَها الحضاريةَ والمجتمعيةَ على قواعد أربعة شديدة الترابط: المواطنة الشاملة في الداخل، والتضامن الإنساني في ترتيب الروابط بين مكوّنات الأسرة البشرية، والتعايش السلمي بين مختلف الأقوام والملل، والتسامح الفكري من منظور التعددية الثقافية الثرية.
ولقد عكست مبادرات الدولة هذه التوجهات، من قوانين ضامنة للتعايش السلمي بين مختلف الطوائف والمجموعات، وقيود صارمة على خطاب الكراهية والتشدد، ومبادرات هادفة إلى الحوار بين شتى القناعات والثقافات والمنظومات القيمية.
ومن المعروف أن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، حوَّل هذه التوجهات إلى مرتكزات ثابتة لسياسة الإمارات في مختلف المجالات، بما تعكسه الدبلوماسية الإماراتية النشطة في مختلف قارات العالم ومناطقه، إطفاءً لحرائق الفتنة وبؤر التوتر، وتكريساً لنهج التكامل والتضامن بين سكان المعمورة.
ومَن يَزُرْ الإمارات يدركْ لا محالةَ قيام واقعين بارزين للعيان، هما: التوفيق الناجع بين الهوية الوطنية والثقافية المحلية والطابع الكوسمبولوتي العالمي إلى حدِّ ترسيخ أول تطبيق عملي لفكرة المواطنة الكونية التي يكثُر الحديث عنها راهناً، والجمع المرن بين منطق التعددية الثقافية وما تقوم عليه من قيم الاختلاف والتنوع ومنطق التضامن الإنساني وما يقتضيه من سياسات منسجمة. ولا شكّ في أن تفسير هذا الواقع المزدوج يرجع بالضرورة إلى نمط القيادة الوطنية التي بنت هذا النموذج وطوّرته، وصولاً إلى وضعه الحالي.
وبخصوص المغرب، فلا بدّ من التذكير بأن هذا البلد تأسّس منذ بدايات العصور الحديثة على فكرة المواطنة المتساوية التي تستوعب الطابع الاختلافي المتنوع للمجتمع، ضمن منظور «إمارة المؤمنين» الحارسة لقيم التعايش بين مختلف مكونات الأمة. والمعروف أن المغرب الذي كان تحت الحماية الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية، استطاع حماية مواطنيه من اليهود من المحرقة النازية، ودفع الملك الراحل محمد الخامس ثمن هذا الموقف الفريد في حقبة مضطربة من تاريخ الإنسانية. 
ولقد سار على نهجه الملك السابق الحسن الثاني والملك الحالي محمد السادس الذي اتخذ مبادراتٍ معروفةً في تكريس قيم التسامح والحوار والتضامن بين المجموعات البشرية المتمايزة، في إطار رؤية مجتمعية متكاملة تقوم على التجديد والتحديث والانفتاح.
لقد تزامن منح الجائزة التقديرية للإمارات والمغرب مع الذكرى العاشرة لإعلان مراكش التاريخي حول المواطنة وحقوق المجموعات غير المسلمة في بلاد الإسلام، وهي مناسبة عكست تكامل وتماثل رؤية البلدين في مواضيع الأمن الديني للمجتمعات العالمية وحقوق التنوع الثقافي والقيمي.
لم يكن إعلان مراكش مجرد وثيقة فكرية أو إعلامية صادرة عن مؤتمر علمي حاشد حضره مئاتُ الشخصيات من شتى الديانات والدول، بل كان ميثاقاً مرجعياً كاملا يستلهم دستورَ المدينة المنورة كما وضعه النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة، وهو الصحيفة الرائدة التي كرّست أولَ مقاربة جلية للمواطنة على أساس مبدأ التضامن والتعايش السلمي.
ورغم تعدُّد المبادرات والمقاربات في المحافل والمنتديات الدولية، لا يزال هذا الإعلان - من حيث هو حصيلة التنسيق والتكامل بين الإمارات والمغرب - أهم وثيقة فكرية تصدر عن مرجعية دينية، بما يعني أن البلدين نجحا في تقديم نموذج بديل عن أيديولوجيات التطرف والغلو التي شوّهت صورة الإسلام في السنوات الأخيرة.
ما عكسته الجائزة التكريمية التي أشرنا إليها هو أنها رسالة تقدير لنموذج حضاري إنساني نجحت الإمارات والمغرب في تقديمه للعالم، وهي من دون شكّ إنجازٌ نوعيٌّ لديبلوماسية البلدين، ودليلٌ على صلابة قوتهما الناعمة، وإقرارٌ صريح من شخصيات وازنة ومؤثّرة في كبرى بلدان العالم بسلامة ورصانة وصدقية توجهات وسياسات الدولتين الشقيقتين.


*أكاديمي موريتاني