يشهد العالم اليوم تحولات متسارعة تمسّ مختلف جوانب الحياة، وتفرض على المؤسسات العلمية والمعرفية مسؤولية متجددة في تطوير أدواتها، وتعزيز قدرتها على استيعاب المستجدات، وتقديم رؤى علمية رصينة تسهم في معالجة القضايا المعاصرة. وفي هذا السياق: تبرز الدراسات الإفتائية بوصفها أحد أهم مجالات البحث الشرعي التي تجمع بين أصالة التأصيل، ووعي الواقع، واستشراف المستقبل.

وانطلاقاً من هذه الرؤية: أطلق مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي جائزة الإمارات العالمية للدراسات الإفتائية والاجتهاد الحضاري؛ إيماناً بأنَّ البحث العلمي يمثّل ركيزة أساسية في تطوير المعرفة الإفتائية، وأنَّ الاجتهاد الحضاري لم يعُد ترفاً فكرياً؛ بل ضرورة تقتضيها طبيعة المتغيرات التي يشهدها العالم، وما تطرحه من أسئلة تحتاج إلى دراسات علمية تجمع بين مقاصد الشريعة ومتطلبات الواقع.

وتأتي دورة عام الأسرة 2026 امتداداً لهذا التوجه، إذ اختار المجلس أن تكون الأسرة محوراً للدورة الحالية؛ استناداً إلى مكانتها في بناء المجتمع، وانسجاماً مع إعلان سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، عام 2026 «عاماً للأسرة»، بما يعكس اهتمام الدولة بتعزيز استقرار الأسرة، وترسيخ دورها في التنمية المستدامة وبناء الإنسان وتحصين المجتمع.
ومن هنا: جاءت المحاور العلمية للجائزة لتعالج قضايا تمثل أولويات بحثية في واقع الأسرة ومستقبلها؛ بدءاً من تعزيز الهوية الوطنية في أحكام الأسرة ودورها في ترسيخ التماسك المجتمعي، مروراً بالقضايا المتعلقة باستدامة الأسرة، ووصولاً إلى المستجدات العلمية في تطبيقات التحرير الجيني، وما يثيره الواقع الرقمي من تحديات وفرص تستدعي اجتهاداً علمياً واعياً، يجمع بين سلامة التأصيل وحسن التنزيل.
إنَّ هذه المحاور لا تمثّل موضوعات بحثية منفصلة، وإنَّما تعكس رؤية متكاملة تسعى إلى توجيه البحث العلمي نحو القضايا الأكثر حضوراً في حياة الإنسان والمجتمع، وإيجاد بيئة معرفية تشجع الباحثين على إعداد دراسات نوعية تسهم في تطوير المنظومة الإفتائية، وتدعم قدرتها على مواكبة المتغيرات، والإجابة عن الأسئلة المستجدة بمنهجٍ علميٍ رصينٍ.
ومن هذا المنطلق: فإنَّ الجائزة لا تستهدف تكريم البحوث المتميزة فحسب، وإنَّما تسعى إلى بناء حراك علمي مستدام، يعزّز مكانة الدراسات الإفتائية، ويشجع الباحثين على الإسهام في إنتاج معرفة شرعية قادرة على خدمة المجتمعات، واستشراف احتياجاتها، وترسيخ قيم الاعتدال والتوازن التي قامت عليها رسالة دولة الإمارات ونهجها الحضاري.وإذ يواصل مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي استقبال المشاركات في الجائزة، فإنَّه يدعو الباحثين والمتخصصين إلى الاطلاع على دليل الجائزة ومحاورها العلمية، والإسهام بأبحاثهم ودراساتهم في هذا المشروع العلمي الذي يعكس رؤية دولة الإمارات في الاستثمار في المعرفة، وتعزيز دور البحث العلمي في خدمة الإنسان، وصناعة المستقبل.
*الأمين العام لمجلس الإمارات للإفتاء الشرعي.