في لحظة فارقة من مسار الأحداث، وفي موضوع بالغ الأهمية، يتصل بمصير حاضرنا ومستقبلنا، يصبح التفكير العميق والمعلن ضرورة لا خياراً. إنها قضية تفرض أن نفتح لها أبواب التفكير بصوتٍ عالٍ، قبل أن تُغلق الوقائع منافذ القرار.
ولأنها مسألة مهمة ومصيرية، لا بد في هذه الحالة أن يكون التفكير بصوت عالٍ وقوي. ففي خضم المتغيرات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، لم تعد منطقة الخليج مجرد ساحة تمر بها الأحداث، بل أصبحت هي قلب المعادلة وميزانها. فالتوقيع على مذكرة تفاهم أميركية - إيرانية انتهت قبل أن يجف حبرها، ليست حدثاً دبلوماسياً عابراً، بل هي إعلان عن بداية مرحلة جديدة، تُعيد تعريف مفهوم «الضمانات» التي اعتاد الخليج الاعتماد عليها لعقود.
هنا يصبح التفكير ضرورة استراتيجية، لا ترفاً فكرياً، فالسؤال لم يعد ماذا ستفعل أميركا أو إيران؟ بل نحن في دول الخليج العربي.. إلى أين نحن ذاهبون بأنفسنا؟ وما شكل الضمانات التي نريدها لأمننا؟ ومن الذي سيصوغها إذا لم نصغها بأيدينا؟
إن أمن الخليج ليس غاية بذاته، بل هو البوابة، بوابة التنمية والرخاء لدوله وشعوبه، وبوابة التحول من اقتصاد الريع إلى اقتصاد المعرفة والصناعة والتقنية.. وبوابة لحياة شعوب تتطلع دائماً إلى الاستقرار بعيداً عن لغة الصراعات والحروب المدمرة، التي أحرقت محيطنا وأعاقت نهوضه لعقود.
ولذلك، فإن أي حديث عن مذكرات واتفاقات تفاهم يجب أن يبدأ من سؤال جوهري، وهو كيف نضمن أن يكون المستقبل خليجياً بالدرجة الأولى؟ وكيف نحول لحظة القلق الإقليمي إلى لحظة تأسيس لـ«حالة الاتحاد» تضع مصالح شعوب الخليج فوق كل اعتبار، وتجعل من التكامل الدفاعي والسياسي والاقتصادي درعاً يحمي التنمية، لا جداراً يحاصرها؟
أسعى إلى محاولة للإجابة، وفي محاولة تضع كل الاحتمالات على الطاولة، لأن زمن المجاملات الاستراتيجية انتهى، وزمن المصائر المشتركة بدأ.
نظرياً مثلت مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية- والتي تم التوقيع عليها ولم تنفذ بسبب تخلي الإيرانيين كعادتهم في عدم الالتزام بتعهداتهم- نقطة تحول في معادلة الأمن الإقليمي بالشرق الأوسط. فهي لا تقف عند حدود الملف النووي أو العقوبات، بل تمس مباشرة بنية التوازنات السياسية والأمنية والاستراتيجية في الخليج العربي، المنطقة الأكثر حساسية للتحولات الدولية والإقليمية.
ولأن الخليج العربي هو ساحة التأثير الأولى والأخيرة لأي تفاهم بين واشنطن وطهران، يصبح السؤال.. كيف تقرأ دول مجلس التعاون مذكرات التفاهم والاتفاقات؟
إنها حالة من التوترات وعدم الثقة في النظام الإيراني بحكم الفكر الطائفي ورعاية الإرهاب وسياسة التوسع وتصدير الثورة، التي تسيطر على أدبيات النظام الإيراني منذ عام 1979م.
إذن السؤال وماذا بعد؟
هل حان وقت الانتقال من «مجلس التعاون» إلى «حالة الاتحاد» لمواجهة متغيرات لا تحتمل التجزئة؟
هناك الأبعاد السياسية والأمنية والاستراتيجية للمذكرات والاتفاقات.. فالبعد السياسي في إدارة التنافس بدلاً من حسمه. إن مذكرة التفاهم، بمنطقها، تعني انتقال واشنطن من سياسة «الضغط الأقصى» إلى سياسة «الاحتواء التفاوضي». وهذا التحول يحمل رسالتين: الأولى لإيران، في اعتراف ضمني بدورها الإقليمي مقابل ضبط برنامجها النووي والصاروخي. والثاني للخليج، بأن الأمن الخليجي لم يعد مضموناً تلقائياً عبر الضمانة الأميركية المطلقة، بل صار جزءاً من مقايضة جيوسياسية أوسع.
سياسياً، هذا يقوي منطق «التعددية التحالفية»، أي أن دول الخليج ستضطر للتعامل مع إيران كطرف معترف به في المعادلة، حتى لو استمر الخلاف على السلوك الإقليمي، والذي اتضح من التجربة أن إيران دولة لا يُوثق بتعهداتها.
وهناك البعد الأمني.. من الردع بالوكالة إلى الردع الذاتي أمنياً، فأي تفاهم يخفف حدة المواجهة المباشرة بين أميركا وإيران، قد يقلل احتمال «حرب بالوكالة» في الخليج على المدى القصير.. لكنه في المقابل يرفع سقف التوقعات من دول المجلس نفسها.
وهناك تراجع هامش المناورة الأميركية، فأي التزام أميركي جديد سيكون مشروطاً، وأقل انخراطاً كما اتضح في ملفات الصواريخ والمسيرات والميليشيات والأذرع الإرهابية.
وكذلك هناك صعود التهديدات غير التقليدية.. الحوثيون، الهجمات السيبرانية، أمن الممرات المائية، وأمن الطاقة.. ستبقى ملفات ساخنة لأنها أوراق ضغط غير خاضعة مباشرة للمذكرة.
وفي البعد الاستراتيجي تبرز بوضوح إعادة رسم الخرائط التحالفية..فاستراتيجياً، المذكرة تعني أن أميركا تريد «فصل الساحات»، تهدئة مع إيران في الخليج، مقابل تركيز على الصين وروسيا وأوكرانيا، وهذا يدفع الخليج نحو تنويع الشراكات إنْ أمكنها مع الصين، روسيا، أوروبا، الهند. ونأتي إلى الانعكاسات المحتملة على أمن الخليج، كأمن مضيق هرمز وسلاسل الإمداد، فأي تفاهم هش قابل للانهيار سيبقي التوتر في المضيق أداة ابتزاز وضغوط إيرانية.
إيران تنفذ سياستها في فرض الأمر الواقع للسيطرة على مضيق هرمز خلافاً للقوانين الدولية، وهي تنفذ سياسة «فرض الأمر الواقع» في مضيق هرمز عبر استراتيجية عسكرية تُعرف بمنع الوصول، حيث وإنْ لم تحصل السيطرة الكاملة على الممر، فإنها تجعل العبور مكلفاً وخطيراً باستخدام الألغام البحرية، والصواريخ المضادة للسفن، والطائرات المسيّرة، وهو ما يتعارض مع القوانين الدولية التي تضمن حرية الملاحة. وهي تظهر القوة وفرض النفوذ في أحد أهم الممرات البحرية العالمية في ابتزاز اقتصادي عبر تهديد ناقلات النفط وفرض رسوم عبور محتملة تحت غطاء «توفير الأمن»، وهو ما يعتبر ابتزازاً غير قانوني.
كذلك سباق التسلح النوعي، فإيران قد تحصل على انفراج اقتصادي من خلال الإفراج عن الأموال المجمدة، ما يعزز برامجها الصاروخية والمسيّرات وتواصل الدعم لأذرعها الإرهابية.
ومن هنا أصل إلى مسألة مهمة في البعد الخليجي، وهي الأمن الداخلي والمجتمعي. إن أي تصعيد طائفي أو إعلامي من قبل أذرع إيران يستغل التفاهم سيتطلب خطاباً خليجياً موحداً وقوياً، يفصل بين «التعايش السياسي» و«التفريط الأمني» وهذه مسألة مهمة وأساسية في المحافظة على التلاحم بين شعوبنا الخليجية، وهي تواجه العواصف.
وإلى الاقتصاد والطاقة، عصب التنمية والازدهار.. إن انخفاض أسعار النفط حال عودة النفط الإيراني للسوق سيضغط على الميزانيات، ما يستدعي تسريع التنويع الاقتصادي ومشاريع الربط الكهربائي والصناعي وربط خطوط المواصلات بالطرق والسكك الحديدية بين دول مجلس التعاون.
والآن.. ماذا يمكن لدول مجلس التعاون أن تفعل؟
التحدي لا يُدار بردود الفعل، بل بمشروع خليجي استباقي يقوم على عدة مسارات. مسار دفاعي عسكري موحد بقيادة عسكرية خليجية موحدة وبتفعيل وتطوير آلية العمل العسكري المشترك.
ومسار سياسي دبلوماسي استباقي وبموقف وخطاب سياسي موحد.. قناة تفاوض خليجية مباشرة مع الدول المعنية بملف أمني واضح. وتنسيق ثلاثي خليجي- أميركي- أوروبي، لضمان أن أي تفاهم أميركي- إيراني لا يتجاوز مصالح الخليج.
ومسار اقتصادي وتكنولوجي، كسوق خليجية مشتركة، وعملة موحدة، وتوطين الاستثمارات المشتركة.. ومسار إعلامي وثقافي، خطاب خليجي واحد يخاطب الرأي العام، ومسار قانوني- مؤسسي، ميثاق أمن خليجي ملزم، أي اعتداء على دولة عضو يعتبر اعتداءً على الكل، مع آليات ردع سريع.
ونأتي إلى المسألة الأهم في طرح السؤال بصوت عالٍ وصريح.. من «مجلس التعاون» إلى «حالة الاتحاد».. هل حان الوقت؟ هل منظومة المجلس قادرة على صياغة «رؤية لمسارات المستقبل»؟
التجربة تقول، إن المجلس نجح اقتصادياً وثقافياً، نجح أمنياً وسياسياً، ولكن بشكل محدود، خاصة عند الأزمات الكبرى. واليوم المتحولات الإقليمية تفرض المراجعة الجذرية.
لماذا «حالة الاتحاد» الآن؟ قبل 45 عاماً، وضع قادة دول الخليج العربي قاعدة بناء كيان خليجي انطلق بتوافق قيادات وشعوب ست دول خليجية أسست لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، وكان أساسه القوي يؤسس لمرحلة الانطلاقة الأولى كمجلس التعاون ليصل إلى حالة الاتحاد. ولا شك أن رؤى 2030 خلقت بنية سياسية واقتصادية واجتماعية متكاملة جاهزة للاندماج السياسي والأمني لتكون في ما بعد نواة لـ«حالة الاتحاد».. اتحاد أمني ودفاعي ملزم، مع بقاء السيادة السياسية لكل دولة.. نموذج «الناتو الخليجي».
لقد نص النظام الأساسي للمجلس على السعي للوصول إلى مراحل متقدمة من الاندماج، وصولاً إلى حالة الاتحاد. اليوم، وبعد مرور قرابة نصف قرن من العمل المشترك، أصبح الانتقال من «التعاون» إلى «الاتحاد» ضرورة استراتيجية تفرضها التطورات الإقليمية والدولية، وتستدعيها طموحات الشعوب ومستقبل الأجيال.
لقد حدد النظام الأساسي لمجلس التعاون الأهداف الأساسية، ومنها تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين، وصولاً إلى وحدتها، وبينما شهدت السنوات الماضية العديد من المبادرات المشتركة في المجالات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، إلا أنها لم تبلغ بعد ما نصت عليها رؤية المؤسسين.
خلال العقود الماضية، واجهت المنطقة تحديات سياسية واقتصادية وأمنية هائلة، من حروب وصراعات إقليمية، إلى تقلبات أسعار النفط والتحولات العالمية في مجالات الطاقة والاقتصاد. وقد أظهرت الأزمات المتتابعة أهمية الموقف الجماعي، فكلما توحدت الكلمة والموقف، زادت القدرة على مواجهة التحديات، كما كشفت بعض الأزمات التي واجهتها دول الخليج، وكانت آخرها الحرب الأميركية الإيرانية، أهمية وضرورة الوصول إلى درجة أعلى من التكامل المؤسسي والسياسي.
إن الانتقال من التعاون إلى الاتحاد يعكس إرادة سياسية عميقة، ويترجم طموحات شعوب المنطقة في الازدهار والاستقرار. إن من أبرز مزايا الاتحاد تعزيز المنعة السياسية والأمنية، وتوفير إطار أقوى لاتخاذ قرارات موحدة وفعالة في مواجهة التهديدات، وتقليل الخلافات البينية، وزيادة هيبة الموقف الخليجي عالمياً.
كما سيؤدي إلى تكامل اقتصادي أعمق من خلال أسواق موحدة وعملة خليجية، وتحرير أكبر لحركة رؤوس الأموال والعمالة، ما يساهم في تنويع مصادر الدخل والتنمية المستدامة. وكذلك تعزيز الهوية الخليجية من حيث إن، الاتحاد يعمق الإحساس بالانتماء للجسد الخليجي المشترك، ويسهم في ترسيخ القيم والتراث المشترك. إضافة إلى زيادة الفاعلية الدولية، إذ يمنح الخليج دوراً أكبر في الساحة الدولية، ويعظم من القدرة التفاوضية، خصوصاً في ملفات الطاقة والتجارة والاستثمار.
في عالم تتغير موازينه بسرعة ويفرض تحديات اقتصادية وتقنية متعاظمة، تحتاج دول الخليج لآليات عمل جماعية أكثر صلابة ومرونة.. فالاتحاد يمكن أن يشكل لها المظلة المثلى.
إن شعوب الخليج العربي على قناعة تامة في إرادة قياداتنا وبشجاعة استجابتها للتغيرات، والمشاركة الشعبية الواعية في دعم الانتقال وتحقق التلاحم بين القيادات والشعوب. كما أن المبادرات العملية لتعزيز الوحدة كتطوير المؤسسات الخليجية المشتركة، وتوسيع نطاق الحقوق للمواطن الخليجي، تساهم في ترسيخ قواعد الاتحاد.
بعد مضي 45 عاماً على تأسيس المجلس، يبقى الانتقال من حالة التعاون إلى الاتحاد ضرورة يتطلبها المستقبل. فهو ليس خياراً ترفيهياً، بل استجابة عملية واستراتيجية لما يفرضه الواقع من تحديات واستحقاقات. وتحقيقه يتطلب من جميع دول المجلس قراءة واعية للماضي، واستشرافاً شجاعاً للمستقبل، وترسيخاً للثوابت التي قامت عليها مسيرة مجلس التعاون منذ انطلاقته.
مذكرات التفاهم والاتفاقات الأميركية - الإيرانية ليست نهاية القصة، بل بداية مرحلة «ما بعد الضمانة». وأمام دول مجلس التعاون أن تصنع المستقبل والقفز إلى «حالة الاتحاد» بوعي استراتيجي، وتحويل التهديد إلى فرصة لبناء منظومة خليجية هي الأقوى في تاريخ المنطقة.
كمواطن خليجي، أرى أن الانتقال من حالة التعاون إلى حالة الاتحاد ليس مجرد حلم سياسي، بل هو ضرورة تاريخية تفرضها التحديات التي تواجه منطقتنا. لقد أثبتت تجربة مجلس التعاون الخليجي خلال العقود الماضية أنه إطار ناجح للتنسيق، رغم أنه لم يصل بعد إلى مستوى التكامل الذي يضمن مصالح الشعوب على المدى الطويل.
إن الوصول إلى حالة الاتحاد ضرورة لمستقبل أفضل لدول وشعوب الخليج تعكس طموحاً عميقاً نحو مستقبل أكثر استقراراً وقوة لدول وشعوب المنطقة. وفكرة الانتقال من التعاون إلى الاتحاد ليست مجرد خطوة سياسية، بل مشروع حضاري يفتح الباب أمام تكامل اقتصادي وأمني وثقافي يضع الخليج في موقع أكثر تأثيراً على الساحة الدولية.
فالاتحاد ليس رفاهية، بل ضرورة لمستقبل أفضل.. إنني أؤمن أن الاتحاد ليس خياراً بين عدة بدائل، بل هو الخيار الوحيد لضمان أن يكون الخليج لاعباً أساسياً في القرن الحادي والعشرين، لا مجرد ساحة تتأثر بما يقرره الآخرون.
التاريخ لا ينتظر.. وأمن الخليج اليوم يُكتب بأقلام خليجية، لا يُملى من الخارج.
نبيل بن يعقوب الحمر*
*مستشار جلالة ملك البحرين لشؤون الإعلام.


