بينما تسقط المنطقة برمّتها في بحر الفوضى وضبابية الموقف، يمضي جيش الاحتلال الإسرائيلي في تنفيذ مخطّطه لابتلاع الضفة الغربية والقضاء بصورة كاملة على حل الدولتين. وهكذا، للمرة الألف، تؤكد إسرائيل أنها تصرُّ على تأجيج الصراع واستمرار مسلسل العنف الدامي إلى ما لا نهاية، وبعد بحور الدم التي راح ضحيتها عشرات الآلاف في غزة، جاء الدور على قاطني الضفة الغربية.في هذا السياق، حذّرت الأمم المتحدة من «التدهور السريع» للوضع في الضفة، ورصدت العديد من المظاهر التي تدعو للقلق، منها سقوط ضحايا مدنيين، وعمليات نزوح جماعي للأُسر، وأضرار في الممتلكات، ومنذ بداية العام الحالي فقط وثّقت المنظمة الدولية أكثر من 1330 حادثة تورَّط فيها المستوطنون.
يعيش نحو 750 ألف مستوطن في الضفة الغربية، موزّعين على 156 مستوطنة رسمية وعشرات البؤر غير القانونية، يتمتعون بحصانة شبه كاملة من الملاحقة القضائية، في مشهد يجعل القانون الإسرائيلي عنصرياً بامتياز بين الإسرائيلي والفلسطيني.
وتحت سمع وبصر العالم أجمع، تركت حكومة نتنياهو الحبل على الغارب للمتطرفين من المستوطنين يعيثون فساداً في القطاع، يقتحمون الديار ويروّعون ساكنيها من الأطفال والنساء والعجائز، تفاصيل وقائع التجاوزات والانتهاكات مروّعة، وقد باتت تحدث يومياً بلا انقطاع في تصاعد ينذر باشتعال الضفة، وخلال الأيام الماضية، أحرق المستوطنون خمس مركبات في قرية بيتيلو، وأضرموا النيران في جرارات وشاحنات قرب «خربة أبو فلاح»، ولم تسلم منهم حتى المساجد، حيث أضرموا النار بمسجدين، أحدهما في نابلس والثاني في طولكرم.
شواهد كثيرة تفوق الحصر، تكشف نوايا حكومة الاحتلال، وتعكس بوضوح أنها لا تعبأ بالمؤسسات الدولية، ولا تعترف بالقوانين والمواثيق، وهو ما دفع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، للتأكيد على أن إسرائيل تمهّد لإعلان ضم الضفة الغربية إليها رسمياً، ما يعني تقويض إمكانية إقامة دولة فلسطين المنصوص عليها في قرارات الأمم المتحدة ذات الصّلة.
ما يقوم به المستوطنون من انتهاكات تجاوز كل الحدود ويشكّل استفزازاً غير مقبول، حتى إن يائير غولان رئيس حزب «الديمقراطيون» المعارض، والذي كان ضابطاً كبيراً في الجيش الإسرائيلي، أعلن رفضه لتجاوزاتهم وقال إن «نتنياهو وكاتس – وزير دفاعه - يحوّلان الضفة، إلى برميل بارود قد ينفجر ويهدّد حياة البشر»، ومؤكداً أنه «سيعمل للقضاء على الإرهاب اليهودي، وتفكيك المليشيات المسلّحة التابعة لبن غفير، وإزالة البؤر الاستيطانية غير القانونية التابعة لسموتريتش».
والمدهش أكثر أن حجم الانتهاكات والتجاوزات اللاإنسانية، دفعت 600 مسؤول إسرائيلي سابق إلى توقيع مذكرة يناشدون فيها الرئيس الأميركي التدخل العاجل من أجل وقف تجاوزات المستوطنين، ويحذّرون فيها من أن سياسات الحكومة الحالية تقود المنطقة إلى «كارثة» قد تفوق في تداعياتها هجمات السابع من أكتوبر.
مضمون الرسالة كشف وعي أصحابها وإدراكهم العالي – بحكم ما يملكونه من خبرة ميدانية واسعة - لخطورة استمرار تصاعد أعمال العنف، وبحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، فإن هذه الرسالة «غير المسبوقة» وقّع عليها مسؤولون سابقون في الجيش وجهازي الموساد والشاباك ووزارة الخارجية.
تكتسب الرسالة أهميتها كونها لا تصدر عن خصوم سياسيين لإسرائيل، بل يطرحها مئات من كبار رجال الأمن والمخابرات والدبلوماسية الإسرائيليين، على رأسهم رئيسا الموساد والشاباك السابقان، داني ياتوم وعامي أيالون، إضافة إلى الجنرال احتياط متان ويلنائي، نائب رئيس الأركان الأسبق، ولذلك فإن الرسالة تتجاوز حدود السياسة لتصبح شهادة على واقع لم يَعُد بالإمكان تجاهله أو تبريره.
الرسالة تكمن أهميتها أيضاً، في توقيتها – والذي نحسبه مقصود تماماً – حيث استبقت الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى واشنطن يوم الثلاثاء الماضي، مما عزّز فرضية قيام ترامب بالضغط على نتنياهو لكبح جماح المستوطنين والوزراء المتطرفين في حكومته. وكعادتها لم تنتظر الإمارات طويلاً،  وأعربت عن إدانتها واستنكارها الشديد لاعتداءاتهم على قرى الضفة، ما يُعدّ أمراً استفزازياً وعملاً من أعمال التطرف، وحذّرت وزارة الخارجية في بيان لها، من الاعتداءات المتكررة من قبل المستوطنين، وطالبت الحكومة الإسرائيلية بتحمل كامل المسؤولية وإدانة هذه الممارسات ومعاقبة المتسبّبين بها.
بيان خارجية الإمارات جاء واضحاً في كلماته، داعياً المجتمع الدولي إلى القيام بمسؤوليته، وتجنّب المزيد من تأجيج الوضع في الأراضي المحتلة والمنطقة، ووضع حدٍّ للممارسات غير الشرعية التي تُهدِّد حلَّ الدولتين.