يحظى الإسكان الجماعي باهتمام متزايد في جميع أنحاء العالم في ظل تفاقم أزمة السكن وضعف القدرة على تحمل تكاليف إيجار البيوت. ورغم وجود نظام الملكية الجماعية للمنازل في مناطق تمتد من السويد إلى تشيلي ومن الدنمارك إلى كندا، إلا أن سياسة السكن التعاوني في أوروغواي مُكرسة قانونياً منذ عام 1968، وهي وسيلة لتوفير سكن لائق ميسور التكلفة لسكان أوروغواي من ذوي الدخل المنخفض والمتوسط.
ويصف إلكين فيلاسكيز، المدير الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية في أميركا اللاتينية والكاريبي، التجربة الأوروغوانية بأنها نموذجية، وكانت ولا تزال مصدر إلهام، مؤكداً أن التعاونيات السكنية تمثل أحدَ الحلول لأزمة السكن العالمية، التي تُقدر بنحو 288 مليون منزل. وتُعد تلك القضية من أهم القضايا التي تشغل الناس حول العالم، مع تزايد المخاوف بشأن القدرة على تحمل تكاليف السكن. وقد أقر الكونغرس الأميركي قانوناً للإسكان لزيادة المعروض، وجرى توقيعه في أوائل يوليو الماضي. وكان قانون «طريق القرن الـ21 للإسكان» من بين التشريعات النادرة التي حظيت بدعم الحزبين في السنوات الأخيرة.وظهر النموذج الأوروغواني في ستينيات القرن الماضي، حين كانت البلاد تعاني من أزمة اقتصادية حادة، ورأى فريقٌ من المهندسين المعماريين في المساكن التعاونية حلاً لأزمة السكن. وتقول ألينا ديل كاستيلو، الأستاذة في كلية الهندسة المعمارية والتصميم والتخطيط العمراني بجامعة الجمهورية، إن الفكرة استندت إلى ثقافة أوروغواي الراسخة في التنظيم التعاوني، وإلى تقاليد الطبقة العاملة في بناء المنازل ذاتياً.
وتضم البلاد اليوم أكثر من 70 ألف مسكن تعاوني، تمثل 5.1% من إجمالي المساكن، وقد شُيد بعضها بمشاركة السكان أنفسهم، أو عبر إعادة تأهيل مبانٍ قائمة، بتمويل من قروض حكومية ودعم فني من فريق خبراء معتمد من الحكومة. وترى ديل كاستيو أن القانون كان رائداً لأنه اعتبر العمل مساهمة رأسمالية، بما أتاح لمن لا يملكون المالَ الكافي فرصةَ امتلاك مسكن.وقد شارك العديد من السكان في إعادة تأهيل المباني المتهالكة التي يعود تاريخها إلى تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يتحول الكثير منها إلى مبانٍ سكنية تضم عشرات الشقق، ويقولون، إن المهمة كانت شاقة للغاية، لكن الأمر كان يستحق العناء، حيث يساهم تجديد المباني في إنعاش الأحياء المُهملة والحد من المضاربات العقارية، كما يخلق شعوراً جديداً بالانتماء للمجتمع.
ويحظى أبناء السكان بالأولوية في الانضمام إلى الجمعية التعاونية في المجمعات السكنية كلما توفر مكان شاغر، وعادةً ما يكون ذلك بعد وفاة أحد السكان. ويعتبرون أن مثل تلك المجمعات أفضل مكان لتربية طفل، لأنها ليست مغلقة، ما يعني أن المساحات المشتركة، كالملعب والمكتبة، كانت دائماً مفتوحة لجميع سكان الحي، مما يعزز التفاعل الاجتماعي مع شخصيات متنوعة.
لكن السكان يرون أن الحياة الجماعية لها تحدياتها أيضاً، فالقرارات التي تُتخذ خلال اجتماعات الجمعيات التعاونية ليست بالضرورة الأفضل، لكن عليهم تقبل فكرة أن الحياة الجماعية لا تدور حول فعل ما يناسب فرداً واحداً بل ما يلائم المجتمع السكني ككل، ويدركون أن عليهم تعلمَ التنازل والتعايش.
وقد تضاعف عدد المنازل المملوكة للجمعيات التعاونية في أوروغواي أكثر من مرتين بين عامي 2011 و2023. إلا أن العجز السكني ظل ثابتاً عند 400 ألف منزل.
وبعد مرور أكثر من ستة عقود على صدور قانون الإسكان الوطني، تعتقد ديل كاستيلو أن جمود نظام الإسكان الحالي قد يعيق تقدمه، فالقواعد المتعلقة بالتمويل الحكومي للإسكان مقيدة للغاية للتعاونيات الجديدة وتحد من بناء مناطق تجارية أو مساحات ترفيهية كجزء من مجمع سكني، لأنها تُقيم المشاريع وفقاً لقائمة معايير محددة، دون دراسة لكل حالة على حدة. 
 ومن جانبه، يؤكد فيلاسكيز أنه لا ينبغي للدول الأخرى أن تنقل التجربة الأوروغوانية بحذافيرها، لكنها تستطيع استلهامها وتكييفها وفق ظروفها الخاصة، لتكون أحد الحلول الممكنة لتوفير مساكن جيدة وبأسعار معقولة في مواجهة أزمة الإسكان العالمية.

 


 *صحفية بريطانية متخصصة في الشؤون الاجتماعية والبيئية 

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»