خلال العام الماضي، عمل السيناتور الأميركي تيد كروز على دفع واشنطن نحو خطوة ظلت بعيدة المنال لعقود: تصنيف جماعة «الإخوان» كمنظمة إرهابية، وليس الاكتفاء بالتعامل مع فروعها أو التنظيمات المنبثقة عنها كلٍّ على حدة. ويستند كروز في هذا المسعى إلى مشروع قانون قدّمه مع السيناتورة آشلي مودي، إلى جانب مشروع مماثل في مجلس النواب قدّمه النائب ماريو دياز-بالارت. ويدعو المشروع إلى تصنيف جماعة «الإخوان» نفسها، وليس فقط الفصائل الأكثر عنفاً المرتبطة بها مثل «حماس»، كمنظمة إرهابية أجنبية، مع فرض قيود على دخول أعضائها إلى الولايات المتحدة وعلى تعاملاتها المالية مع المؤسسات الأميركية.
وما وصل إليه المشروع حتى الآن ليس أمراً بسيطاً. فقد صنّفت إدارة ترامب خلال الأشهر الماضية فروعاً للإخوان في لبنان والأردن ومصر ككيانات إرهابية. كما ذهبت الاستراتيجية الوطنية الأميركية لمكافحة الإرهاب لعام 2026 إلى أبعد من أي وثيقة رسمية أميركية سابقة، عندما وصفت جماعة «الإخوان» بأنهم من أبرز جذور الإرهاب الحديث، وربطتهم بصورة مباشرة بتنظيمي «القاعدة» و«داعش».
واستغل كروز، الذي يرأس اللجنة الفرعية المعنية في مجلس الشيوخ، جلسة استماع عُقدت في مايو للدفع بهذا الملف إلى الأمام. لكن مسار مشروع القانون أظهر في الوقت نفسه مدى سهولة فقدان الزّخم السياسي. فقد انتقد كروز علناً لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب بعدما حذفت الجزء الأساسي المتعلق بتصنيف الجماعة من النسخة المطروحة أمامها. وهذا يوضح أن سنوات من العمل السياسي يمكن أن تتعرض لانتكاسة كبيرة خلال جلسة واحدة للجنة.
وهنا تكمن أهم دروس هذه المعركة. فوجود مشروع قانون ودعم سياسي من سيناتور بارز لا يكفي وحده. القضايا المعقّدة في الأمن القومي الأميركي تحتاج إلى منظومة كاملة من حولها: أبحاث مستمرة، وخبرة قانونية وسياسية، وعلاقات طويلة الأمد مع صنّاع القرار، وشبكة من الخبراء القادرين على التحرك سريعاً عندما يتعرض المشروع لمحاولة إضعاف أو تعطيل.
وهذا تحديداً هو الجانب الذي يستحق أن تنظر إليه حملة كروز في التجربة الإماراتية. فقد أمضت دولة الإمارات خلال العقد الماضي في بناء منظومة مؤسسية وبحثية متكاملة لمواجهة أيديولوجية جماعة «الإخوان» والتطرف عموماً. وليس المقصود هنا نسخ التجربة الإماراتية، وإنما النظر إليها باعتبارها نموذجاً لكيفية تحويل قضية سياسية إلى عمل مؤسّسي مستمر لا يرتبط بشخص أو إدارة أو دورة انتخابية واحدة.
ويبرز هنا دور مركز تريندز للبحوث والاستشارات في أبوظبي، الذي جعل دراسة جماعة «الإخوان» ومواجهة أيديولوجيتهم جزءاً رئيسياً من عمله. فالمركز لا يكتفي بنشر المقالات والتحليلات، وإنما يعمل على بناء قاعدة بحثية يمكن لصنّاع القرار والباحثين والمؤسّسات في دول مختلفة الاستفادة منها والاستناد إليها.
ومن أبرز هذه الجهود «مؤشر القوة الدولية لجماعة الإخوان»، الذي يرصد نفوذ الجماعة عبر عدد من المناطق، ويقيس حضورها من جوانب تنظيمية وسياسية واقتصادية وإعلامية ومجتمعية. كما بدأ المركز في إصدار نُسخ محلية من المؤشّر، كان من بينها النسخة الإندونيسية التي أُطلقت مؤخراً في معرض جاكرتا الدولي للكتاب بحضور سفراء الإمارات والبحرين والأردن.
ولا يقتصر العمل على المؤشر. فقد أطلق المركز مشروعاً موسوعياً واسعاً حول تاريخ الجماعة، وصل إلى إصدار موسوعة من 35 مجلداً، مع توجُّه لإضافة دراسات حول نشاط جماعة الإخوان في دول بعينها، من بينها كندا. كما نقل المركز هذا النقاش إلى المؤسسات التشريعية خارج المنطقة، من خلال تنظيم فعاليات في مجلس اللوردات البريطاني والتواصل مع البرلمان الأوروبي والبرلمان الكندي.
ما يميّز هذا النهج هو الاستمرارية. فالمسألة لا تتعلق بإصدار تقرير واحد أو تنظيم مؤتمر واحد ثم الانتقال إلى ملف آخر. هناك إنتاج بحثي متواصل، ومؤشرات يتم تحديثها، وإصدارات بلغات مختلفة، وتواصل مباشر مع البرلمانيين وصنّاع القرار في أكثر من دولة. وبمرور الوقت، تتحول هذه الجهود إلى شبكة علاقات ومصادر خبرة جاهزة للاستخدام.
وهذا ما تحتاج إليه حملة كروز إذا أرادت أن تتجاوز العقبات السياسية المقبلة. فبدلاً من التعامل مع كل جلسة استماع باعتبارها معركة منفصلة، تحتاج الحملة إلى بناء منظومة دائمة تدعم القضية.
أولاً، تحتاج إلى قاعدة بحثية مستمرة تتضمن دراسات متخصّصة وملفات موثّقة ومعلومات محدّثة حول التنظيمات والشخصيات والأنشطة المرتبطة بجماعة «الإخوان» داخل الولايات المتحدة. ويجب أن تكون هذه المواد متاحة بصورة يستطيع معها موظفو الكونجرس والباحثون والصحفيون الرجوع إليها بسهولة.
ثانياً، تحتاج إلى فريق متخصّص في السياسات والتشريع يستطيع صياغة النصوص القانونية بطريقة تصمد أمام المراجعة داخل الكونجرس وأمام الطعون القضائية المحتملة. وهذه نقطة مهمة تحديداً في الولايات المتحدة، حيث سيواجه أي تصنيف شامل للجماعة أسئلة تتعلق بحرية التعبير والدين والتعديل الأول للدستور.
وثالثاً، تحتاج إلى شبكة أوسع من الخبراء، تشمل مسؤولين سابقين في أجهزة الاستخبارات، ومتخصصين في تمويل الإرهاب، وباحثين وأصواتاً من المجتمع المدني. وجود هذه الشبكة يسمح بتقديم الشهادات والإحاطات للكونجرس والرد على حجج المعارضين بصورة مستمرة، بدلاً من تشكيل فريق جديد مع كل جلسة.
وبعض هذه المكونات موجود بالفعل لدى مكتب كروز والمنظمات المتحالفة معه، ومنها مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD). لكن التجربة الإماراتية توضّح الفرق الذي يمكن أن يحدث عندما توضع هذه الجهود ضمن إطار مؤسّسي واحد ومستمر. ففي الولايات المتحدة، لن تبقى المسألة داخل أروقة الكونجرس، بل يمكن أن تنتقل إلى المحاكم وتخضع لاختبار دستوري علني.
ومع ذلك، يبقى ما حققه كروز حتى الآن مهماً. فقد تمكّن من إبقاء قضية صعبة ومثيرة للجدل على جدول الأعمال لسنوات، رغم تغيُّر الإدارة الأميركية، والمعارضة داخل بعض اللجان، والجمود البيروقراطي الذي غالباً ما ينهي مثل هذه المبادرات قبل وصولها إلى مرحلة متقدمة.
وهنا تكمن قيمة الاستمرارية التي أظهرها. فالبنية التي تحتاج إليها الحملة، من البحث والخبرة إلى شبكة العلاقات مع الخبراء والمشرّعين لا تتعارض مع نهج كروز، بل تُمثل الخطوة التالية الطبيعية له. فالهدف هو تحويل الجهد السياسي الذي يقوده سيناتور واحد إلى مشروع مؤسّسي قادر على الاستمرار، أياً كان شكل الكونجرس أو الإدارة المقبلة.
لقد وفّر كروز العنصر الأصعب: الإرادة السياسية والاستعداد لخوض المعركة على المدى الطويل. وما ينقص الآن هو بناء المؤسّسة التي تستطيع أن تمنح هذه الإرادة القدرة على الاستمرار وتحويلها إلى نتيجة سياسية دائمة.
*مستشار برلماني


