هيمنت شركة «جوجل» على محركات البحث على «الإنترنت»، موفرة كنزاً مجانياً هائلاً من المعرفة عبر اتفاق ذكي مع أصحاب المواقع: تسمح الشركة لبرنامجها الآلي بفهرسة صفحاتهم، وفي المقابل تُعيد القراء إلى مواقعهم. لكن هذه المعادلة تغيرت اليوم مع استخدام «جوجل» بنيتها التحتية للبحث في تعزيز منتجاتها للذكاء الاصطناعي. وتمنح هذه الاستراتيجية «جوجل» أفضلية غير عادلة على شركات الذكاء الاصطناعي الأخرى، كما تسرع نمو حركة الزيارات الآلية على «الإنترنت» على حساب البشر. وتواجه «جوجل» الآن مقاومة من جهة تنظيمية بريطانية وشركة عاملة في القطاع، وهو ما قد يؤدي إلى تغيير طال انتظاره.
لطالما كان «جوجل بوت»، برنامج «جوجل» الآلي للزحف إلى المواقع، يجوب «الإنترنت»، ويرصد صفحات «الويب» لتغذية فهرس الشركة الضخم، بما يتيح ظهور أحدث الصفحات وأكثرها صلة في نتائج البحث. لكن الحدود بين المحتوى الذي يُجمع لأغراض البحث والمحتوى المستخدم لإنتاج إجابات الذكاء الاصطناعي أصبحت أكثر غموضاً، بعدما بات البرنامج يُستخدم لتغذية البحث ونموذج «جوجل» الرئيسي للذكاء الاصطناعي، «جيميني». ويقول ماثيو برينس، الرئيس التنفيذي لشركة «كلاودفلير» لأمن المواقع، إنه يرى برنامج «جوجل» الآلي من «الإنترنت» أكثر بـ3.2 مرة مما يراه برنامج «أوبن إيه آي»، وبـ4.8 مرة مما يراه برنامج شركة «مايكروسوفت».
وتدير «كلاودفلير» حركة البيانات لنحو خُمس «الإنترنت» وتحظر الهجمات الإلكترونية، وأصبح برينس من أبرز منتقدي «جوجل» بسبب دمجها بين أنظمة البحث وجمع البيانات. ويقول إن هذه الاستراتيجية تجعل من الصعب على الناشرين منع استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي من دون خسارة حركة الزيارات التي يعتمدون عليها من البحث. ولهذه الأفضلية عواقب أوسع. فإذا واصل الذكاء الاصطناعي قراءة محتوى «الإنترنت» وتلخيصه وإعادة صياغته من دون إعادة القراء إلى الصفحات التي أنشأها البشر، فسيتراجع الحافز الاقتصادي لإنتاج المعلومات الأصلية. ووفق «كلاودفلير»، ولدت وكلاء الذكاء الاصطناعي أكثر من 57% من حركة «الإنترنت» في 2026، مقابل نحو 42% للبشر، في أول مرة يتجاوز فيها النشاط الآلي النشاط البشري على «الإنترنت».
ويتوقع برينس أن يصبح هذا التفاوت أكبر خلال السنوات المقبلة، بما يذكّر بنظرية «الإنترنت الميت»، التي تفترض أن الآلات ستتولى بصورة متزايدة إنشاء المحتوى واستهلاكه. ولا يزال استخدام الوكلاء الآليين مقتصراً إلى حد كبير على مطوري البرمجيات والشركات، لكن مارك زوكربيرغ قال الأسبوع الماضي، إن «ميتا» ستطلق قريباً نسخة موجهة للمستهلكين على «فيسبوك ماسنجر» و«واتساب» و«إنستغرام»، تكون سهلة الاستخدام لمليارات الأشخاص. ولا مشكلة في أن تنفذ الروبوتات مهام مفيدة، لكن «الإنترنت» سيصبح أكثر سطحية وأقل أصالة وفائدة إذا لم تعد مساهمة البشر تلقى مقابلاً. وهذا ما يهدد به نظام البحث الجديد من «جوجل»، إذ قد ينشئ الناس محتوى لتنسخه الآلات وتختصره في إجابات الذكاء الاصطناعي، بينما لا تصل العوائد الاقتصادية إلى أصحاب المحتوى الأصليين. وكان بإمكان «جوجل» معالجة المشكلة بالسماح للمواقع برفض استخدام بياناتها في منتجات الذكاء الاصطناعي مع بقائها في نتائج البحث.
وقد درست الشركة هذا الخيار في أبريل 2024، قبل إطلاق ما اسمته بـ«نظرات عامة بالذكاء الاصطناعي»، لكنها تراجعت عنه لأن المجال كان «يتطور ليصبح مجالًا لتحقيق الإيرادات»، وفق شرائح داخلية كُشف عنها خلال قضية مكافحة الاحتكار المرفوعة ضد الشركة في الولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين، واجهت «جوجل» ضغوطاً متزايدة. فقد قال برينس، إن «كلاودفلير» أبلغت «جوجل» بأنها ستبدأ، اعتباراً من 15 سبتمبر، بحظر برامج الزحف التي تجمع البيانات لأغراض متعددة لدى العملاء المدعومين بالإعلانات، بشكل افتراضي، ما قد يحرم «جوجل» من الوصول إلى ملايين المواقع التي تستخدم خدمات الشركة. وجاء ضغط آخر من هيئة المنافسة والأسواق البريطانية، التي أمرت «جوجل» في يونيو الماضي بمنح أصحاب المواقع خياراً واضحاً لمنع استخدام محتواهم في منتجات الذكاء الاصطناعي مع بقائه في نتائج البحث، ومنعت الشركة من معاقبة هذه المواقع بخفض ترتيبها.
وهناك تلميحات بأن «جوجل» تختبر بالفعل إعداداً جديداً يسمح للمواقع برفض استخدام محتواها في إجابات الذكاء الاصطناعي دون التأثير على ترتيبها في البحث، وأنها ستطرحه عالمياً بعد انتهاء الاختبار في بريطانيا. ويمثل ذلك تحولاً إيجابياً عن الوضع الحالي، حيث تعمل أكبر شركات التكنولوجيا وفق قواعدها الخاصة.
لكن برامج «جوجل» الآلية لا تزال مدمجة تقنياً، فالبرنامج نفسه يجمع محتوى المواقع للبحث والذكاء الاصطناعي. والأفضل فصل برنامج الزحف إلى اثنين: أحدهما لفهرسة البحث والآخر لجمع بيانات الذكاء الاصطناعي، بحيث تتمكن المواقع من حظر جمع بياناتها مباشرة بدلاً من الاعتماد على تعهد جوجل.ولا تزال «جوجل» تسيطر على 90% من سوق البحث، مما يجعلها البوابة الفعلية لـ«الإنترنت»، لكن طموحاتها باتت أكثر إشكالية في عصر الذكاء الاصطناعي. نأمل أن تستمر ممارسات الشركة في التحسن.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*كاتبة متخصصة في التكنولوجيا. مؤلفة كتاب «الهيمنة: الذكاء الاصطناعي، وشات جي بي تي، والسباق الذي سيغير العالم»


